يُعدّ المسرح السوري من أقدم التجارب المسرحية في العالم العربي وأكثرها ثراءً وتأثيراً، إذ انطلقت بداياته في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على يد أبو خليل القباني الذي يُلقَّب بأبي المسرح العربي. تطوّر المسرح السوري عبر أكثر من قرن ونصف ليشمل المسرح الكلاسيكي والسياسي والتجريبي والشعبي، وأنجب مبدعين كباراً مثل سعد الله ونّوس ودريد لحّام ومحمد الماغوط الذين نقلوا المسرح السوري إلى آفاق عربية وعالمية. كما أسهم المسرح السوري في تطوير الدراما التلفزيونية التي أصبحت من أبرز ملامح الثقافة السورية المعاصرة.
يُعتبر أحمد أبو خليل القباني المولود في دمشق عام 1833 م الأب المؤسِّس للمسرح العربي بلا منازع. قدّم القباني أولى عروضه المسرحية في دمشق عام 1870 م، جامعاً بين التمثيل والغناء والموسيقى والرقص في شكل مسرحي متكامل لم يكن معروفاً في العالم العربي آنذاك (وفقاً لموسوعة بريتانيكا). استلهم القباني موضوعات مسرحياته من التراث العربي والإسلامي، لا سيما من حكايات ألف ليلة وليلة والتاريخ الأندلسي، وقدّم أعمالاً مثل «هارون الرشيد» و«أنس الجليس» و«الأمير محمود«.
غير أن نشاط القباني المسرحي أثار حفيظة بعض رجال الدين المحافظين في دمشق الذين رأوا في المسرح بدعة مخالفة للتقاليد، فرفعوا شكاوى إلى السلطات العثمانية في إسطنبول. أسفرت هذه الشكاوى عن صدور أمر بإغلاق مسرح القباني (وفقاً لموسوعة بريتانيكا ومصادر أخرى). اضطر القباني إلى مغادرة دمشق، فانتقل إلى مصر حيث واصل نشاطه المسرحي في الإسكندرية والقاهرة وأسهم في تطوير المسرح المصري. عاد إلى دمشق في أواخر حياته وتوفي فيها عام 1903 م، تاركاً إرثاً مسرحياً أسّس لكل ما جاء بعده في المسرح العربي.
يُعدّ سعد الله ونّوس أحد أعظم الكتّاب المسرحيين في تاريخ الأدب العربي المعاصر. وُلد في قرية حصين البحر قرب طرطوس عام 1941 م، ودرس الصحافة في القاهرة قبل أن يتفرّغ للكتابة المسرحية. أسّس ونّوس ما عُرف بـ»مسرح التسييس« عام 1969 م من خلال مسرحيته الرائدة »حفلة سمر من أجل 5 حزيران«، التي كسرت الجدار الرابع بين الممثلين والجمهور وحوّلت العرض المسرحي إلى فعل سياسي مباشر (وفقاً لمجلة Critical Stages / IATC الأكاديمية).
قدّم ونّوس مسرحيات عديدة شكّلت علامات فارقة في المسرح العربي، منها »الفيل يا ملك الزمان« و»مغامرة رأس المملوك جابر« و»طقوس الإشارات والتحولات« و»منمنمات تاريخية«. تناولت أعماله موضوعات السلطة والقمع والحرية والعلاقة بين الحاكم والمحكوم، بأسلوب يجمع بين العمق الفكري والجماهيرية.
في عام 1996 م، اختارت منظمة اليونسكو سعد الله ونّوس لإلقاء خطاب يوم المسرح العالمي، وهو شرف لم يحظَ به كاتب عربي من قبله. ألقى ونّوس خطابه الشهير الذي تضمّن عبارته الخالدة »نحن محكومون بالأمل«، وذلك رغم صراعه مع مرض السرطان الذي أودى بحياته عام 1997 م (وفقاً لمجلة Al Jadid الأدبية). أصبح هذا الخطاب من أكثر النصوص المسرحية العربية اقتباساً وتأثيراً.
شكّل الثنائي دريد لحّام ونهاد قلعي ظاهرة فنية فريدة في تاريخ المسرح والتلفزيون السوري والعربي. بدأ تعاونهما مع انطلاقة التلفزيون السوري عام 1960 م، وسرعان ما أصبحا من أكثر الوجوه الفنية شعبية في العالم العربي (وفقاً لموسوعة Encyclopedia.com). ابتكر نهاد قلعي شخصية »حسني البورظان« بينما جسّد دريد لحّام شخصية »غوار الطوشة« التي ابتُكرت عام 1965 م وأصبحت من أشهر الشخصيات الكوميدية في تاريخ التلفزيون العربي.
قدّم الثنائي عشرات المسلسلات والمسرحيات والأفلام التي جمعت بين الكوميديا والنقد الاجتماعي والسياسي بأسلوب ساخر محبّب. ومن أبرز أعمالهما المسرحية »ضيعة تشرين« و»غربة« و»كاسك يا وطن« التي كتبها الشاعر محمد الماغوط، والتي تناولت بجرأة مشكلات المجتمع العربي من فساد وبيروقراطية وهزيمة.
إلى جانب ريادته في قصيدة النثر، برع محمد الماغوط (1934-2006 م) في الكتابة المسرحية وأصبح من أهم كتّاب المسرح السياسي الساخر في سوريا. كتب مسرحيات أصبحت من كلاسيكيات المسرح العربي مثل »كاسك يا وطن« (1979 م) و»غربة« (1976 م) و»شقائق النعمان» التي قدّمها دريد لحّام على خشبة المسرح. تميّزت كتابات الماغوط المسرحية بالسخرية المُرّة واللغة البسيطة العميقة والجرأة في تناول المحظورات السياسية والاجتماعية.
انبثقت الدراما التلفزيونية السورية من رحم المسرح السوري، وشهدت ازدهاراً كبيراً منذ تسعينيات القرن العشرين. أنتجت سوريا مسلسلات تاريخية واجتماعية حققت نجاحاً عربياً واسعاً، وأصبحت الدراما السورية منافساً رئيسياً للدراما المصرية في السوق العربي (وفقاً لتقرير Fanack: “The Rise and Fall of the Syrian Drama”). غير أن الأحداث التي شهدتها سوريا منذ عام 2011 م أثّرت بشكل كبير على صناعة الدراما، إذ هاجر كثير من الفنانين والمخرجين والكتّاب إلى دول الخليج ولبنان وتركيا ومصر.
يواجه المسرح السوري اليوم تحديات جسيمة تتعلق بإعادة بناء البنية التحتية الثقافية التي تضررت خلال سنوات النزاع، فضلاً عن شتات الفنانين والمبدعين في دول مختلفة. ورغم هذه التحديات، لا تزال هناك محاولات لإحياء الحركة المسرحية سواء داخل سوريا أو في مجتمعات الشتات السوري، حيث يسعى جيل جديد من المسرحيين إلى استعادة تقاليد المسرح السوري العريقة وتطويرها في سياقات جديدة (وفقاً لتقرير Zaman Al-Wasl عن المسرح السوري).
يُستكمل قريباً بقائمة المصادر والمراجع المعتمدة.