يُعَدّ عصر الاستقلال السوري (1946-1958) من أكثر الحقب تحولاً وثراءً في تاريخ سوريا الحديث، إذ شهدت البلاد خلاله انتقالاً جذرياً من حقبة الخضوع للانتداب الأجنبي إلى بناء دولة وطنية مستقلة ذات سيادة كاملة. امتدت هذه الحقبة اثنتي عشرة سنة حافلة بالإنجازات الديمقراطية والانتكاسات العسكرية والتحولات الاجتماعية والاقتصادية العميقة، بدءاً من يوم الجلاء التاريخي في 17 نيسان/أبريل 1946 وانتهاءً بإعلان الوحدة مع مصر في شباط/فبراير 1958 وقيام الجمهورية العربية المتحدة.
لم يكن الاستقلال السوري وليد لحظة واحدة، بل كان ثمرة نضال وطني طويل امتدّ طوال سنوات الانتداب الفرنسي (1920-1946). فقد تأسّست الجمهورية السورية رسمياً عام 1930 تحت الانتداب، وأُعلن استقلالها شكلياً في 27 أيلول/سبتمبر 1941 على يد الجنرال جورج كاترو، الممثل السامي لفرنسا الحرّة في المشرق، غير أن هذا الإعلان ظلّ حبراً على ورق ما دامت القوات الفرنسية باقية على الأرض السورية.
في عام 1943، أُجريت انتخابات رئاسية وبرلمانية أسفرت عن فوز شكري القوتلي برئاسة الجمهورية، وهو المناضل الوطني الذي قضى سنوات في السجون والمنافي الفرنسية. وقد سعى القوتلي منذ توليه الرئاسة إلى انتزاع الاستقلال الكامل وإجلاء القوات الأجنبية عن التراب السوري.
بلغ الصراع بين الحركة الوطنية السورية والاحتلال الفرنسي ذروته في أيار/مايو 1945، حين شنّت القوات الفرنسية قصفاً وحشياً على دمشق بالمدفعية والطائرات، فيما عُرف بـ«أزمة المشرق» أو «العدوان الفرنسي على دمشق». أسفر القصف عن سقوط مئات الشهداء والجرحى ودمار واسع في أحياء العاصمة، ولا سيما محيط مبنى البرلمان. أثار هذا العدوان موجة غضب عارمة في العالم العربي والمجتمع الدولي، ما دفع رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل إلى إصدار إنذار للقوات الفرنسية بوقف إطلاق النار، وتدخّلت القوات البريطانية لفرض وقف القتال.
شكّل هذا العدوان نقطة تحوّل حاسمة، إذ فقدت فرنسا ما تبقّى لها من شرعية في سوريا، وتصاعد الضغط الدولي — وخاصةً من بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي — لإنهاء الانتداب الفرنسي وسحب القوات. وقد أحال الرئيس القوتلي القضية إلى مجلس الأمن الدولي حديث التأسيس، حيث مثّل سوريا في المحافل الدولية رجل الدولة المسيحي البارز فارس الخوري بمهارة دبلوماسية فائقة.
في 17 نيسان/أبريل 1946، غادر آخر جندي فرنسي الأراضي السورية، ليُعلَن هذا اليوم «يوم الجلاء» وعيداً وطنياً للجمهورية السورية. وقد اختار المسؤولون السوريون هذا التاريخ بدلاً من 18 نيسان/أبريل — وهو الموعد الذي اقترحته فرنسا — لتجنب إقامة الاحتفالات في يوم الجمعة العظيمة المسيحي، في بادرة لافتة تعكس روح التعايش الديني التي طبعت المجتمع السوري.
أقام الرئيس شكري القوتلي احتفالات كبرى في دمشق بمشاركة عربية واسعة، وأُعلن تأسيس عيد الجيش السوري في الأول من آب/أغسطس 1945. وبذلك أصبحت سوريا دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وعضواً مؤسساً في جامعة الدول العربية (التي انضمت إليها عام 1945) وفي منظمة الأمم المتحدة. وقد مثّل فارس الخوري سوريا في مؤتمر سان فرانسيسكو التأسيسي للأمم المتحدة عام 1945، حيث أبهر الحضور ببلاغته ودهائه الدبلوماسي.
واجه الرئيس شكري القوتلي تحديات جسيمة في بناء دولة حديثة من الأساس بعد أكثر من ربع قرن من الحكم الانتدابي. فقد ورث جهازاً إدارياً هشّاً وبنية تحتية متواضعة واقتصاداً يعتمد بشكل شبه كامل على الزراعة. ومع ذلك، نجح في إرساء أسس نظام جمهوري برلماني ديمقراطي تعدّدي، كفل حرية الصحافة والتعبير والتنظيم السياسي.
شهدت سوريا في هذه الفترة حياة سياسية نشطة تميّزت بتعدد الأحزاب والتيارات الفكرية، من الحزب الوطني وحزب الشعب إلى الأحزاب اليسارية والقومية الناشئة. وقد تولى رئاسة الوزراء عدد من الشخصيات البارزة، منهم سعد الله الجابري وجميل مردم بك وفارس الخوري، الذي يُعدّ تولّيه رئاسة الحكومة — وهو مسيحي بروتستانتي — شاهداً على عمق التعددية والتسامح في المجتمع السوري آنذاك.
عانت الجمهورية الفتيّة من عدة تحديات بنيوية، أبرزها:
حين أعلنت بريطانيا انسحابها من فلسطين وأعلنت الحركة الصهيونية قيام دولة إسرائيل في 15 أيار/مايو 1948، كانت سوريا من أوائل الدول العربية التي أرسلت قواتها إلى فلسطين. شاركت القوات السورية في القتال على عدة محاور، ولا سيما في منطقة الجليل الأعلى، ونجحت في السيطرة على بعض المواقع في المراحل الأولى، بما في ذلك مستوطنة مشمار هاياردن.
غير أن الأداء العسكري العربي بشكل عام جاء دون المستوى المطلوب، نتيجة ضعف التنسيق بين الجيوش العربية وفساد صفقات الأسلحة ورداءة التجهيزات. وقد وُجّهت اتهامات مباشرة للحكومة السورية بشراء أسلحة فاسدة ومعدات معطوبة، فيما عُرف بـ«فضيحة الأسلحة الفاسدة» التي أثارت غضباً شعبياً عارماً.
شكّلت هزيمة 1948 — أو ما سُمّي بـ«النكبة» — زلزالاً سياسياً هزّ أركان النظام البرلماني السوري الوليد. فقد فقدت الطبقة السياسية التقليدية مصداقيتها أمام الرأي العام، وبرز الجيش كلاعب سياسي رئيسي يطرح نفسه بديلاً عن «السياسيين الفاسدين». وقد لخّص هذا المناخ العام الشعور بالإحباط والغضب الذي مهّد الطريق أمام أول انقلاب عسكري في تاريخ العالم العربي الحديث.
كما أدّت الحرب إلى تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى سوريا، لا سيما إلى دمشق ومحيطها، حيث أقيم مخيم اليرموك الذي تحوّل لاحقاً إلى أكبر تجمع للاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين.
في فجر 30 آذار/مارس 1949، نفّذ رئيس أركان الجيش السوري العقيد حسني الزعيم انقلاباً عسكرياً ناجحاً أطاح بالرئيس شكري القوتلي ونظامه الديمقراطي. يُعدّ هذا الانقلاب الأول من نوعه في تاريخ العالم العربي المعاصر، وقد فتح الباب أمام سلسلة من الانقلابات العسكرية التي عصفت بسوريا والمنطقة العربية لعقود.
اعتقل الزعيم الرئيس القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم وعدداً من الوزراء والنواب، وحلّ البرلمان وعلّق العمل بالدستور. وقد برّر الانقلاب بالفشل في حرب فلسطين وفساد الطبقة السياسية وضرورة «إصلاح» الدولة، وهي الحجج التي ستتكرر في كل انقلاب لاحق.
تُحيط بهذا الانقلاب اتهامات «بالغة الخطورة» بتورط وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA). فقد كشفت الوثائق المرفوع عنها السرية أن الملحق العسكري الأمريكي في دمشق — وضابط الـ CIA المتخفّي — ستيفن ميد (Stephen J. Meade) التقى الزعيم سرّاً ست مرات على الأقل بين تشرين الثاني/نوفمبر 1948 وآذار/مارس 1949 لمناقشة «إمكانية إقامة ديكتاتورية بدعم الجيش». كما يُشار إلى دور رئيس محطة الـ CIA في دمشق مايلز كوبلاند الابن (Miles Copeland Jr.) الذي اعترف لاحقاً في مذكراته بضلوع الوكالة.
وصف المؤرخ الأمريكي دوغلاس ليتل، أستاذ التاريخ في جامعة كلارك، هذا الانقلاب بأنه «أحد أوائل العمليات السرية التي نفّذتها الـ CIA» منذ تأسيسها عام 1947. ورغم أن بعض المؤرخين يرون أن قرار الانقلاب كان قرار الزعيم وحده، إلا أن الأدلة تشير إلى أنه استفاد من درجة ما من المساعدة الأمريكية في التخطيط والتنفيذ.
من أبرز القرائن على الدوافع الأمريكية أن الحكومة السورية بقيادة القوتلي كانت قد رفضت في الأيام الأخيرة قبل الانقلاب مشروع خط أنابيب النفط «التابلاين» (Trans-Arabian Pipeline) الذي كان سينقل النفط السعودي عبر الأراضي السورية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر المتوسط. وبعد أربعة أيام فقط من الانقلاب، صادق الزعيم على مسار خط الأنابيب عبر هضبة الجولان، بعد أن حلّ البرلمان الذي كان يعارض المشروع.
حكم حسني الزعيم سوريا 137 يوماً فقط، اتّسم حكمه بالاستبداد والتقلّب. أعلن نفسه رئيساً للجمهورية في 25 حزيران/يونيو 1949 بعد استفتاء صوري، ومنح نفسه رتبة مشير. وعلى الرغم من بعض الإصلاحات الإدارية — كمنح المرأة حق التصويت لأول مرة عام 1949 — إلا أن نظامه سرعان ما فقد أي دعم شعبي أو عسكري.
في 14 آب/أغسطس 1949، أطاح العقيد سامي الحناوي بحسني الزعيم في الانقلاب الثاني خلال أقل من خمسة أشهر. وُلد الحناوي عام 1898 في حلب، وكان قد شارك في الانقلاب الأول مساعداً للزعيم قبل أن ينقلب عليه. اعتُقل الزعيم ورئيس وزرائه محسن البرازي وأُعدِما في الليلة ذاتها رمياً بالرصاص دون محاكمة، في مشهد صادم أظهر مدى العنف الذي بلغه الصراع على السلطة.
أعلن الحناوي نيّته إعادة الحكم المدني الديمقراطي، فأعاد تنصيب هاشم الأتاسي رئيساً للجمهورية ونظّم انتخابات برلمانية في تشرين الثاني/نوفمبر 1949. غير أن الحناوي كان يسعى سرّاً إلى تحقيق مشروع الوحدة مع العراق الهاشمي ضمن ما عُرف بمشروع «الهلال الخصيب»، وهو ما أثار مخاوف الضباط القوميين المعارضين للنفوذ الهاشمي البريطاني.
في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1950، اغتيل الحناوي في بيروت على يد هيرشو البرازي، ابن عمّ رئيس الوزراء محسن البرازي الذي أعدمه الحناوي، في حلقة انتقامية دموية تكشف عن عمق الانقسامات التي مزّقت النخبة السياسية والعسكرية السورية.
في 19 كانون الأول/ديسمبر 1949، نفّذ العقيد أديب الشيشكلي الانقلاب الثالث في أقل من عام واحد، مطيحاً بالحناوي. وُلد الشيشكلي عام 1909 في حماة، وكان قد شارك هو أيضاً في انقلاب الزعيم الأول. برّر الشيشكلي انقلابه بمنع مشروع الوحدة مع العراق الذي كان الحناوي يسعى إليه.
في المرحلة الأولى (1949-1951)، لم يتولَّ الشيشكلي السلطة مباشرة، بل حكم من وراء الكواليس مُبقياً على واجهة مدنية بقيادة الرئيس هاشم الأتاسي. وسمح بانعقاد الجمعية التأسيسية التي صاغت دستور 1950 التاريخي.
في أعقاب انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر 1949، انعقدت جمعية تأسيسية منتخبة ديمقراطياً لصياغة دستور جديد لسوريا. وكانت هذه المرة الأولى والوحيدة في تاريخ سوريا التي يُصاغ فيها دستور على يد هيئة منتخبة من الشعب مباشرة، لا على يد لجنة حكومية أو سلطة انتداب أجنبية.
صدر الدستور في 5 أيلول/سبتمبر 1950، وعُرف بـ«دستور الاستقلال»، وتضمّن مبادئ ديمقراطية متقدّمة جعلت منه واحداً من أكثر الدساتير تقدّماً في المنطقة العربية والإسلامية:
اعتُبر دستور 1950 إنجازاً ديمقراطياً استثنائياً في منطقة لم تعرف بعدُ التجارب الديمقراطية الناضجة. وقد ظلّ هذا الدستور — رغم تعليقه مراراً — مرجعاً رمزياً للتيارات الديمقراطية في سوريا، وعلامة على ما كان يمكن أن تكون عليه سوريا لو تُركت لتجربتها الديمقراطية أن تنضج. ومن المفارقات التاريخية أن هذا الدستور صدر في ظل حكم عسكري فعلي (الشيشكلي من وراء الكواليس)، لكنه عبّر عن إرادة شعبية حقيقية من خلال الجمعية التأسيسية المنتخبة.
في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1951، نفّذ الشيشكلي انقلابه الثاني، مستولياً هذه المرة على السلطة بالكامل ومنهياً الواجهة المدنية التي كان يحكم من ورائها. حلّ البرلمان وعلّق الدستور واستقال الرئيس هاشم الأتاسي احتجاجاً.
اتّسم حكم أديب الشيشكلي (1951-1954) بعدة سمات:
تراكم السخط على حكم الشيشكلي من قوى سياسية وعسكرية متعددة: حزب البعث، والحزب الشيوعي، والحزب السوري القومي الاجتماعي، وزعماء جبل العرب، والعديد من الضباط الناقمين. في 25 شباط/فبراير 1954، اندلعت حركة عسكرية واسعة بدأت من حلب بقيادة العقيد مصطفى حمدون وعدد من الضباط، بدعم من الأحزاب المعارضة والزعيم الدرزي سلطان باشا الأطرش.
رفض الشيشكلي — في موقف يُحسب له — أن يجرّ البلاد إلى نزاع أهلي مسلح، فتنحّى عن السلطة وغادر إلى لبنان ثم إلى البرازيل. وبذلك انتهت حقبة الانقلابات المتتالية وعادت سوريا إلى الحكم الديمقراطي. وفي 27 أيلول/سبتمبر 1964، اغتيل الشيشكلي في مدينة سيريس البرازيلية على يد نوّاف غزالة، وهو سوري درزي من جبل العرب سعى للانتقام لعائلته التي تضرّرت من قصف الشيشكلي للجبل.
تُعرف الفترة الممتدة من عام 1954 إلى عام 1958 بـ«العصر الذهبي» للديمقراطية السورية، إذ شهدت سوريا خلالها أزهى فتراتها من حيث الحريات السياسية والصحفية والنشاط البرلماني والحياة الثقافية. بعد سقوط الشيشكلي، أُعيد العمل بدستور 1950 واستأنف الرئيس هاشم الأتاسي ممارسة صلاحياته حتى نهاية ولايته.
أُجريت الانتخابات البرلمانية في الفترة من 25 أيلول/سبتمبر إلى 6 تشرين الأول/أكتوبر 1954، واعتُبرت أكثر الانتخابات نزاهة وشفافية في تاريخ سوريا. جاءت نتائجها على النحو التالي:
تشكّلت حكومة ائتلافية برئاسة صبري العسلي من الحزب الوطني ضمّت ممثلين عن حزب الشعب وحزب البعث، وانتُخب شكري القوتلي رئيساً للجمهورية مجدداً عام 1955 بعد عودته من المنفى.
شهدت سوريا في هذه الفترة ازدهاراً ثقافياً وصحفياً غير مسبوق. صدرت عشرات الصحف والمجلات التي تمثل مختلف التيارات السياسية والفكرية، من اليمين المحافظ إلى اليسار الشيوعي. كانت حرية الصحافة مكفولة فعلياً لا نظرياً، وتحوّلت دمشق إلى منبر للنقاش السياسي والفكري المفتوح.
نشطت الحركة الثقافية والأدبية، وبرز جيل من المثقفين والكتاب والشعراء الذين أثروا الحياة الفكرية العربية. كما شهدت هذه الفترة نمو الحركة النسوية السورية، إذ نالت المرأة حق الاقتراع الشامل عام 1953 وبدأت تشارك في الحياة السياسية كناخبة ومرشحة.
تميّزت سوريا في عقد الاستقلال بتعددية حزبية حقيقية نادرة في المنطقة العربية. من أبرز الأحزاب الفاعلة:
الحزب الوطني: ورث الكتلة الوطنية التي قادت النضال ضد الانتداب الفرنسي. قاعدته الأساسية في دمشق ومدن جنوب سوريا، ومثّل مصالح البرجوازية التجارية والملاك. من أبرز قادته شكري القوتلي وصبري العسلي وجميل مردم بك.
حزب الشعب: نشأ كامتداد للكتلة الوطنية أيضاً، لكنه تمركز في حلب وشمال سوريا. مثّل مصالح البرجوازية الصناعية والتجارية الحلبية، ومال نحو التقارب مع العراق الهاشمي. من أبرز قادته ناظم القدسي ورشدي الكيخيا ومعروف الدواليبي.
حزب البعث العربي الاشتراكي: تأسّس عام 1947 بقيادة ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، ثم اندمج عام 1952 مع «الحزب العربي الاشتراكي» بقيادة أكرم الحوراني ليصبح «حزب البعث العربي الاشتراكي». طرح أيديولوجية تجمع بين القومية العربية والاشتراكية والحرية، واستقطب شريحة واسعة من الشباب المتعلّم والضباط والفلاحين وأبناء الطبقة الوسطى. أصبح القوة السياسية الأكثر تأثيراً في سوريا بحلول منتصف الخمسينيات.
الحزب الشيوعي السوري: بقيادة خالد بكداش، كان من أقوى الأحزاب الشيوعية في العالم العربي. استقطب العمال والمثقفين والأقليات، وحقق إنجازاً تاريخياً بدخول بكداش البرلمان عام 1954 كأول نائب شيوعي في تاريخ البرلمانات العربية.
الحزب السوري القومي الاجتماعي: أسّسه أنطون سعادة عام 1932، ونادى بقومية سورية شاملة تضمّ «سوريا الطبيعية» (سوريا ولبنان وفلسطين والأردن والعراق). تعرّض لقمع متكرر بعد محاولته الانقلابية في لبنان وإعدام سعادة عام 1949.
عمل مجلس النواب السوري في هذه الفترة كبرلمان حقيقي يمارس الرقابة على الحكومة ويُشرّع القوانين ويناقش الميزانية. وقد شهدت الجلسات البرلمانية نقاشات حادة وعلنية حول قضايا الساعة، من السياسة الخارجية إلى الإصلاح الزراعي والتنمية الاقتصادية. كما استُجوب عدد من الوزراء وسُحبت الثقة من حكومات، في ممارسة ديمقراطية حقيقية.
عند الاستقلال عام 1946، كان الاقتصاد السوري يعتمد بشكل رئيسي على الزراعة التي ساهمت بنحو 44% من الدخل الوطني. وقد شكّل القطاع التجاري نحو 16% والقطاع الصناعي أكثر من 7% بقليل. وكانت سوريا من أكثر بلدان المنطقة غنىً بالموارد الزراعية، بفضل أراضيها الخصبة في سهل الغاب وحوض الفرات والجزيرة السورية ومنطقة حوران.
شهدت سوريا في عقد الاستقلال نمواً اقتصادياً ملحوظاً. ارتفع الدخل الوطني من 488 مليون دولار عام 1953 إلى 632 مليون دولار عام 1957، كما ارتفع نصيب الفرد من الدخل الوطني من 102 دولار عام 1950 إلى 134 دولاراً عام 1953 ثم 152 دولاراً عام 1957. وقد وضع هذا النمو سوريا في مقدمة دول المنطقة من حيث مستوى المعيشة.
كان القطاع الزراعي المحرّك الأساسي للنمو في الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. فقد استثمر تجار المدن الأثرياء — خاصة من حلب — في استصلاح الأراضي وتطوير مشاريع الريّ، ما أدى إلى توسّع كبير في المساحات المزروعة، ولا سيما في منطقة الجزيرة (شمال شرق سوريا). كما ازداد إنتاج القمح والقطن والشعير بشكل كبير، وأصبح القطن سلعة تصدير رئيسية.
بدأت أرباح القطاع الزراعي تتدفق نحو القطاع الصناعي، إذ أنشأ كبار الملاك والتجار مصانع للأغذية والنسيج والصناعات التحويلية، خاصة في حلب ودمشق. وشهدت هذه الفترة تأسيس الغرف الصناعية وتطوير قطاع صناعي ناشئ، وإن ظلّ متواضعاً مقارنة بالقطاع الزراعي.
شكّلت مسألة الإصلاح الزراعي إحدى أبرز القضايا السياسية والاقتصادية. فقد كانت ملكية الأراضي مركّزة بيد شريحة صغيرة من كبار الملاك (الإقطاعيين)، فيما كان ملايين الفلاحين يعملون كعمال مياومين أو مزارعين بالمحاصصة دون أي ضمانات. طرح أكرم الحوراني وحزب البعث مشاريع للإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين، لكن هذه المشاريع ظلّت محل جدل سياسي حاد ولم تُنفّذ بشكل جذري إلا بعد انقلاب 1963.
وقعت سوريا في قلب الصراع بين المعسكرين الغربي والشرقي خلال الحرب الباردة. وقد رفضت الانضمام إلى حلف بغداد (1955) الذي ضمّ العراق وتركيا وإيران وباكستان وبريطانيا، وانحازت بدلاً من ذلك إلى معسكر الحياد الإيجابي ثم تقاربت تدريجياً مع الاتحاد السوفيتي ومصر الناصرية.
عزّز العدوان الثلاثي على مصر (بريطانيا وفرنسا وإسرائيل) عام 1956 التضامن السوري-المصري. وقد قام عمال سوريون بتخريب خط أنابيب نفط العراق (IPC) الذي يمرّ عبر الأراضي السورية رداً على العدوان، في خطوة أظهرت عمق التضامن العربي. كما عزّزت أزمة السويس الشعور القومي العربي ورفعت شعبية الرئيس المصري جمال عبد الناصر إلى مستويات غير مسبوقة في سوريا والعالم العربي.
في كانون الثاني/يناير 1957، أعلن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور مبدأه الذي يخوّل الولايات المتحدة التدخل عسكرياً في الشرق الأوسط لمواجهة «التهديد الشيوعي». رفضت سوريا هذا المبدأ بشكل قاطع، ما فاقم التوتر بينها وبين واشنطن.
بلغت الأزمة ذروتها في آب/أغسطس 1957، حين اتّهمت سوريا الولايات المتحدة بالتخطيط لانقلاب وطردت عدداً من الدبلوماسيين الأمريكيين. وقد عيّنت الحكومة السورية العقيد عفيف البزري — الذي وصفته الحكومات الغربية بأنه «متعاطف مع السوفييت» — رئيساً لأركان الجيش، فيما أبرم خالد العظم اتفاقيات اقتصادية وعسكرية واسعة مع الاتحاد السوفيتي، ما أكسبه لقب «المليونير الأحمر» في الصحافة الأمريكية.
حشدت تركيا — العضو في حلف الناتو وحلف بغداد — قواتها على الحدود السورية في خريف 1957، مهدّدة بالتدخل العسكري بحجة مواجهة «التهديد الشيوعي». وقد ردّت مصر بإرسال قوات رمزية إلى اللاذقية تضامناً مع سوريا، كما حذّر الاتحاد السوفيتي تركيا من مغبة أي عدوان. ويرى كثير من المؤرخين أن هذه الأزمة — إلى جانب مبدأ أيزنهاور — دفعت القيادتين السورية والمصرية نحو الإسراع في مشروع الوحدة.
على الصعيد العربي، تأرجحت سوريا بين محورين: المحور الهاشمي (العراق والأردن) المدعوم من بريطانيا، والمحور المصري-السعودي. وبعد حرب السويس وصعود الناصرية، مالت سوريا بشكل حاسم نحو مصر، ما مهّد الطريق أمام مشروع الوحدة.
تضافرت عدة عوامل في دفع سوريا نحو الوحدة مع مصر عام 1958:
في مطلع عام 1958، توجّه وفد سوري إلى القاهرة يضم عسكريين وسياسيين لعرض مشروع الوحدة على ناصر. والمفارقة أن ناصر نفسه تردّد في البداية، محذّراً من عدم التوافق بين النظامين السياسي والاقتصادي في البلدين، ومن تدخّل الجيش السوري المتكرر في السياسة، ومن الانقسامات الحزبية العميقة. لكن الوفد السوري أقنعه بأن «الوحدة الكاملة» وحدها قادرة على إنقاذ سوريا من «الخطر الشيوعي»، فوافق ناصر مشترطاً حلّ جميع الأحزاب السياسية وانسحاب الجيش من الحياة السياسية.
في الأول من شباط/فبراير 1958، أُعلنت الجمهورية العربية المتحدة رسمياً باتحاد مصر وسوريا تحت رئاسة جمال عبد الناصر. أصبحت مصر «الإقليم الجنوبي» وسوريا «الإقليم الشمالي». وقد حُلّت جميع الأحزاب السياسية السورية — بما فيها حزب البعث الذي كان من أشد دعاة الوحدة — وأُلغي البرلمان واستُبدل بنظام تعيين، وبدأت الأجهزة الأمنية والاستخبارية المصرية تحكم سوريا فعلياً.
تنازل الرئيس شكري القوتلي عن السلطة لناصر في مشهد مؤثر، قائلاً له عبارته الشهيرة: «تسلّم سوريا، إنها بلد صعب وشعب يظنّ كل فرد فيه أنه سياسي». وبذلك أُسدل الستار على عصر الاستقلال وبدأت حقبة جديدة سرعان ما انتهت بالانفصال عام 1961.
وُلد شكري القوتلي في دمشق عام 1891 لعائلة دمشقية عريقة. ناضل ضد الحكم العثماني ثم الانتداب الفرنسي، وسُجن ونُفي مراراً. انتُخب أول رئيس لسوريا المستقلة عام 1943، وقاد مرحلة الجلاء. أُطيح به في انقلاب الزعيم عام 1949 ونُفي، ثم عاد وانتُخب رئيساً مجدداً عام 1955. تنازل عن السلطة لناصر عام 1958 وعاش بقية حياته في مصر والمنفى حتى وفاته في بيروت عام 1967.
وُلد في كفير بمنطقة حاصبيا (لبنان حالياً) لعائلة مسيحية أرثوذكسية تحوّلت إلى المذهب البروتستانتي. درس في الجامعة الأمريكية في بيروت، وبدأ حياته السياسية في العهد العثماني. تولى رئاسة الوزراء مرتين (1944-1945 و1954-1955)، ورئاسة مجلس النواب عدة مرات. مثّل سوريا في مؤتمر سان فرانسيسكو التأسيسي للأمم المتحدة عام 1945، وأبهر العالم ببلاغته ودهائه. يُعدّ تولّيه رئاسة الحكومة — وهو مسيحي — أعلى منصب سياسي وصل إليه مسيحي سوري في تاريخ البلاد. توفي في دمشق عام 1962 وأُقيمت له جنازة بمراسم رئاسية تكريماً لدوره التأسيسي.
سليل إحدى أعرق العائلات الدمشقية، تخرّج من كلية الحقوق في جامعة دمشق. تولى رئاسة الوزراء خمس مرات ورئاسة الجمهورية بالوكالة، وكان من أبرز رجال الأعمال والسياسيين في سوريا. لعب دوراً محورياً في السياسة الخارجية السورية في الخمسينيات، وأبرم اتفاقيات اقتصادية وعسكرية مع الاتحاد السوفيتي ما أكسبه لقب «المليونير الأحمر». ترك مذكرات في ثلاثة أجزاء نُشرت بعد وفاته في بيروت عام 1973، تُعدّ من أهم الوثائق التاريخية لتلك الحقبة.
من حمص، تولى رئاسة الجمهورية ثلاث مرات: الأولى (1936-1939) في عهد الانتداب، والثانية (1949-1951) بعد انقلاب الحناوي، والثالثة (1954-1955) بعد سقوط الشيشكلي. يُعدّ عميد الاستقلال وأحد أبرز رموز النضال الوطني السوري. استقال من الرئاسة عام 1951 احتجاجاً على انقلاب الشيشكلي الثاني، في موقف مبدئي أكسبه احترام الجميع.
مؤسسا حزب البعث العربي الاشتراكي. وُلد عفلق في دمشق لعائلة مسيحية أرثوذكسية، ودرس في جامعة السوربون في باريس. ووُلد البيطار في دمشق لعائلة مسلمة سنية، ودرس هو أيضاً في السوربون. عاد الاثنان إلى سوريا في الثلاثينيات وأسّسا حركة «البعث العربي» عام 1940 التي تحولت إلى حزب رسمي عام 1947. طرح الحزب أيديولوجية قومية عربية اشتراكية أثّرت عميقاً في مسار السياسة السورية والعربية.
وُلد في حماة وبرز كزعيم شعبي وبرلماني ومدافع عن حقوق الفلاحين. أسّس «الحزب العربي الاشتراكي» الذي اندمج مع حزب البعث عام 1952. كان من أشد دعاة الإصلاح الزراعي وتوزيع الأراضي على الفلاحين، ومن أبرز الداعين إلى الوحدة مع مصر قبل أن ينقلب عليها لاحقاً ويدعو إلى الانفصال.
ترك عصر الاستقلال (1946-1958) إرثاً عميقاً في الوعي السوري والعربي:
لكن هذه الحقبة كشفت أيضاً عن نقاط ضعف بنيوية عميقة:
يظلّ عصر الاستقلال مرجعاً أساسياً في الذاكرة السورية، إذ يرى فيه كثير من السوريين الدليل التاريخي على أن بلادهم عرفت الديمقراطية والتعددية والحرية قبل أن يصادرها العسكر والاستبداد. وقد استلهمت الثورة السورية عام 2011 كثيراً من قيم عصر الاستقلال ورموزه، حين رفع المتظاهرون علم الاستقلال (ذا النجمات الثلاث الحمراء) رمزاً لسوريا الحرّة والديمقراطية.