تتميّز سوريا بتنوّع لغوي استثنائي يعكس موقعها الجغرافي عند ملتقى الحضارات وعمق تاريخها الممتدّ لأكثر من خمسة آلاف عام. فعلى أرضها وُلدت أقدم أبجدية كاملة معروفة في التاريخ البشري في مدينة أوغاريت قرب اللاذقية نحو عام 1400 قبل الميلاد، وفيها اكتُشف أرشيف إبلا الذي يضمّ نحو 20,000 رقيم مسماري يعود إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. وتُعدّ اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة للبلاد، إذ يتحدّث بها نحو 89% من السكان وفقاً لتقديرات إثنولوغ، غير أنّ سوريا تحتضن إلى جانبها طيفاً واسعاً من اللغات الحيّة والتاريخية، تشمل الكردية والآرامية الجديدة والتركمانية والأرمنية الغربية والشركسية والشيشانية والدوماري واليونانية الكريتية. وقد شهدت السياسات اللغوية في البلاد تحوّلات جوهرية عبر العقود، من سياسات التعريب القسري في حقبة حزب البعث إلى الاعتراف التدريجي بحقوق الأقلّيات اللغوية، وكان آخر هذه التحوّلات صدور المرسوم الرئاسي رقم 13 في يناير 2026 م الذي اعترف بالكردية لغةً وطنية.
تُعدّ الأرض السورية من أغنى المناطق في العالم من حيث التراث اللغوي القديم، إذ شهدت نشوء بعض أقدم اللغات المكتوبة في تاريخ البشرية وتطوّر أنظمة الكتابة التي شكّلت أساس الأبجديات الحديثة.
تُعدّ الإبلائية من أقدم اللغات السامية المُوثَّقة كتابياً، وقد اكتُشفت في أرشيف مدينة إبلا القديمة (تلّ مرديخ) الواقعة على بعد 56 كيلومتراً جنوب غرب حلب. يضمّ هذا الأرشيف نحو 20,000 رقيم مسماري يعود تاريخها إلى الفترة بين 2500 و2350 قبل الميلاد، وتتضمّن نصوصاً إدارية وتجارية ومعاجم ثنائية اللغة (سومرية-إبلائية). وقد أثار تصنيف الإبلائية جدلاً أكاديمياً واسعاً بين العلماء؛ فقد صنّفها العالم الإيطالي جيوفاني بيتّيناتو على أنها لغة سامية غربية، في حين استقرّ الإجماع الأكاديمي على تصنيفها ضمن اللغات السامية الشرقية مع سمات غربية بارزة. وتُقدّم ألواح إبلا مصدراً لا يُقدَّر بثمن لفهم التنظيم السياسي والاجتماعي في بلاد الشام خلال الألفية الثالثة قبل الميلاد.
انتشرت اللغة الأكّادية، وهي لغة سامية شرقية، في أجزاء من شمال شرق سوريا بدءاً من منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد، لا سيّما في مملكتَي ماري وإبلا حيث استُخدمت في المراسلات الدبلوماسية والتجارية. وظلّت الأكّادية لغة التواصل الدولي في المنطقة حتى القرن الثامن قبل الميلاد، حين أخذت الآرامية تحلّ محلّها تدريجياً، لا سيّما بعد أن اعتمدها الملك الآشوري تغلث فلاسر الثالث لغةً إدارية ثانية في الإمبراطورية الآشورية الحديثة.
تحتلّ اللغة الأوغاريتية مكانة فريدة في تاريخ الحضارة الإنسانية، إذ تُمثّل الشاهد على أقدم أبجدية كاملة معروفة في العالم. اكتُشفت في عام 1928 م في موقع رأس شمرا (مدينة أوغاريت القديمة) قرب اللاذقية، وتعود إلى الفترة بين 1400 و1190 قبل الميلاد (العصر البرونزي المتأخر). تتألف الأبجدية الأوغاريتية من 30 حرفاً مسمارياً تُكتب من اليسار إلى اليمين، وهي أبجدية من النوع الأبجدي الساكن (أبجد). عُثر في الموقع على نحو 1,500 لوح طيني ومخطوط تتضمّن نصوصاً ملحمية (كملحمة البعل) ومعاهدات وقوائم إدارية. وتكمن الأهمية الحضارية الكبرى للأبجدية الأوغاريتية في أنها أثّرت مباشرة في الأبجدية الفينيقية، التي تفرّعت منها الأبجديات العبرية والآرامية واليونانية واللاتينية والعربية، ما يجعل أوغاريت مهد النظام الأبجدي الذي تستخدمه أغلب لغات العالم المعاصر.
بدأت الآرامية بالانتشار بوصفها لغة تجارة وتواصل في بلاد الشام منذ نحو 1000 قبل الميلاد، ثم غدت اللغة المشتركة (Lingua Franca) في الشرق الأدنى القديم بأسره. وفي عهد الإمبراطورية الأخمينية (القرن السادس إلى الرابع قبل الميلاد) اعتُمدت الآرامية لغة رسمية للإمبراطورية المترامية الأطراف. وتُعدّ الآرامية السلف المباشر للخط العربي عبر الخط النبطي، كما أنّ اللهجة الآرامية الغربية التي كانت سائدة في فلسطين والجليل هي اللهجة التي تحدّث بها السيد المسيح وفقاً للمصادر التاريخية واللاهوتية.
أصبحت اليونانية لغة الإدارة والثقافة والعلم في سوريا بعد فتوحات الإسكندر المقدوني عام 333 قبل الميلاد، واستمرّت كذلك طوال العهد السلوقي والروماني. وقد كانت أنطاكية (عنتاكية) مركزاً بارزاً للثقافة اليونانية في الشرق. أمّا اللاتينية فقد دخلت سوريا مع الحكم الروماني بدءاً من عام 64 قبل الميلاد بوصفها لغة إدارية وقانونية، لكنها لم تحلّ محلّ الآرامية واليونانية في الاستخدام الشعبي اليومي. وظلّت اليونانية مهيمنة حتى الفتح الإسلامي عام 636 م حين بدأت العربية تحلّ محلّها تدريجياً.
تحتلّ اللغة العربية مكانة اللغة الرسمية الوحيدة في سوريا منذ الاستقلال، وهي اللغة الأمّ لنحو 89% من إجمالي السكان وفقاً لتقديرات إثنولوغ. تُستخدم العربية الفصحى المعاصرة (Modern Standard Arabic) في مؤسسات الدولة والتعليم الرسمي ووسائل الإعلام والقضاء والأدب، فيما تنتشر اللهجات العربية السورية المحلية في التواصل اليومي.
بدأت عملية التعريب اللغوي في سوريا بعد الفتح الإسلامي عام 636 م، حين حلّت العربية محلّ اليونانية والآرامية تدريجياً بوصفها لغة الإدارة والدين والتجارة. وقد استغرقت عملية التعريب عدة قرون، إذ ظلّت الآرامية واليونانية مستخدمتَين في بعض المناطق والطوائف حتى القرون الوسطى المتأخرة. وقد رسّخت الدساتير السورية المتعاقبة مكانة العربية بوصفها لغة الدولة، وبلغ ذلك ذروته في دستور 1973 م الذي نصّ صراحة على أنّ «الشعب العربي السوري جزء من الأمة العربية».
يعيش المتحدّثون بالعربية في سوريا حالة ازدواجية لغوية (Diglossia) نموذجية، إذ يتنقّلون بين مستويَين لغويَّين متمايزَين وفقاً للسياق: الفصحى المعاصرة المُستخدمة في الخطاب الرسمي والتعليم والإعلام والأدب، والعامية (اللهجة المحكية) المُستخدمة في الحياة اليومية والتواصل غير الرسمي. ويتقن السوريون المتعلّمون التبديل بين المستويَين (Code-Switching) بسلاسة وفقاً لمقتضيات الموقف التواصلي.
تنقسم اللهجات العربية السورية إلى خمس مجموعات رئيسية تتمايز فيما بينها في المستويات الصوتية والمعجمية والنحوية:
أولاً: اللهجة الدمشقية (الشامية)
تُعدّ اللهجة الدمشقية لهجة المكانة في سوريا، وينظر إليها كثيرون بوصفها الأفصح والأوضح نطقاً بين اللهجات السورية. تتّسم بوضوح الأصوات الصائتة واستطالة المقاطع، ويُنطق فيها حرف القاف (ق) همزة [ʔ] كما هو شائع في اللهجات الحضرية الشامية. وقد اكتسبت هذه اللهجة انتشاراً واسعاً في العالم العربي بفضل هيمنتها على الدراما التلفزيونية السورية، وتنتشر في دمشق وريفها وتمتدّ تأثيراتها إلى حماة.
ثانياً: اللهجة الحلبية
تنتشر هذه اللهجة في حلب وريف إدلب، وتتميّز بظاهرة الإمالة (Imala)، أي رفع الصائت الطويل /ā/ نحو /ē/، وهي السمة الصوتية الأبرز التي تميّزها عن سائر اللهجات السورية. كما تتّسم بتنغيم موسيقي خاص ومفردات متأثّرة بالتركية العثمانية نتيجة القرون الطويلة من الحكم العثماني. وتتأثّر اللهجة الحلبية في أطرافها الشرقية بالعربية الرافدية (الجزراوية).
ثالثاً: اللهجة الساحلية
تنتشر في اللاذقية وطرطوس وجبلة وبانياس، وتتميّز بإبدال القاف كافاً [k]، وهي سمة صوتية تجعلها متمايزة بوضوح عن اللهجات الداخلية. كما تتأثّر باللهجة اللبنانية نتيجة القرب الجغرافي والتواصل الاجتماعي، وكثيراً ما يصفها المتحدّثون من مناطق أخرى بأنها «ثقيلة» على السمع لاختلافها الصوتي الواضح.
رابعاً: اللهجة البدوية
تنتشر في المناطق الصحراوية الشرقية (البادية) بين القبائل الرحّالة وشبه الرحّالة. وتتّسم بمحافظتها على سمات صوتية قديمة تلاشت من اللهجات الحضرية، كالأصوات بين الأسنانية (/θ/ و/ð/) ونطق القاف جيماً قاهرية [g]. وتحتفظ هذه اللهجة بمعجم غني يتّصل بحياة البادية وتربية الإبل والتنظيم القبلي.
خامساً: لهجة الجزيرة (الشمال الشرقي)
تنتشر في دير الزور والحسكة والقامشلي، وتُعدّ منطقة انتقالية بين العربية الشامية والعربية الرافدية (العراقية). وتتّسم بتأثّرها الكبير بالعربية العراقية واحتكاكها اللغوي المكثّف مع الكردية والآرامية السريانية الجديدة.
يُعدّ نطق حرف القاف (ق) المعيار الصوتي الأبرز للتمييز بين اللهجات السورية: ففي اللهجات الحضرية (دمشق) يُنطق همزة [ʔ]، وفي اللهجة البدوية يُنطق [g]، وفي اللهجة الساحلية يُنطق [k]. كذلك تختلف اللهجات في معاملة الصوائت الطويلة وأنماط التنغيم، ممّا يجعل تحديد المنطقة الجغرافية للمتحدّث ممكناً من خلال سماته الصوتية.
تُعدّ الكردية أكبر لغة أقلّية في سوريا وثاني أكثر اللغات انتشاراً في البلاد، إذ يتراوح عدد متحدّثيها بين 1.5 و2.5 مليون شخص، أي ما يقارب 10% من السكان وفقاً لتقديرات متعدّدة من بينها مذكّرة السياسات القُطرية الصادرة عن الحكومة البريطانية في ديسمبر 2025 م. وتنتمي الكردية إلى فرع اللغات الإيرانية الشمالية الغربية ضمن الأسرة الهندو-أوروبية، ويسود في سوريا لهجة الكرمانجية (الكردية الشمالية) التي تُكتب بالحرف اللاتيني باستخدام أبجدية هاوار المُبتكرة عام 1932 م.
يتركّز المتحدّثون بالكردية في ثلاث مناطق رئيسية: منطقة عفرين في الشمال الغربي (التي كانت أكثف تجمّع كردي قبل عام 2018 م)، ومنطقة كوباني (عين العرب) ذات الغالبية الكردية شبه المطلقة، ومنطقة الجزيرة في الشمال الشرقي (القامشلي والحسكة) حيث يتعايش الأكراد مع العرب والآشوريين. كما توجد جاليات كردية كبيرة في المدن الكبرى كحلب ودمشق.
عانت اللغة الكردية من اضطهاد ممنهج طوال حقبة حكم حزب البعث (1963-2011 م)، وتُوثّق منظمة هيومن رايتس ووتش في تقريرها الصادر عام 2009 م بعنوان «إنكار جماعي» (Group Denial) تفاصيل هذا القمع اللغوي والثقافي. ففي عام 1962 م أُجريت إحصاء سكاني استثنائي في محافظة الحسكة أسفر عن تجريد نحو 120,000 كردي من الجنسية السورية، وبحلول عام 2009 م بلغ عدد الأكراد عديمي الجنسية نحو 300,000 شخص. وفي عام 1965 م وُضع مخطّط «الحزام العربي» الذي استهدف إنشاء شريط عربي بطول 280 كيلومتراً وعمق 15 كيلومتراً على طول الحدود التركية، حيث هُجِّرت عائلات كردية وأُسكنت نحو 4,000 عائلة عربية في 41 قرية.
وشمل القمع اللغوي حظر تدريس الكردية في المدارس، ومنع الصحف والكتب والأغاني الكردية، وحظر تسمية الأطفال بأسماء كردية. وفي عام 1977 م أُعيدت تسمية القرى والبلدات الكردية بأسماء عربية. وصدر في عام 1989 م مرسومان (رقم 1865/S/24 و1865/S/25) يحظران استخدام الكردية في المكاتب الحكومية وحفلات الأعراس والمناسبات العامة. وفي عام 2008 م صدر المرسوم رقم 49 الذي قيّد بيع العقارات وشراءها في المناطق الحدودية (بما فيها كامل محافظة الحسكة) دون إذن حكومي، وهو ما أثّر بصورة رئيسية في الأكراد بوصفهم الأغلبية السكانية في تلك المناطق. وفي المقابل، سُمح للأرمن والآشوريين بتشغيل مدارس خاصة وجمعيات ثقافية تستخدم لغاتهم، وفقاً لتقرير هيومن رايتس ووتش لعام 2009 م.
بعد انسحاب قوات النظام من شمال شرق سوريا، أسّست الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (AANES) نظاماً متعدّد اللغات غير مسبوق في تاريخ البلاد. واعتمد «العقد الاجتماعي» للإدارة الذاتية مبدأ المساواة بين جميع اللغات في شمال سوريا في جميع المجالات، مع اعتماد ثلاث لغات رسمية: الكردية والعربية والسريانية. وفي عام 2015 م أُدخل التعليم بلغة الأمّ (الكردية أو العربية) في المرحلة الابتدائية، ثمّ يبدأ التعليم الثنائي اللغة اعتباراً من الصف الثالث. وفي العام الدراسي 2024/2025 م بلغ عدد المدارس العاملة في إطار هذا النظام 4,100 مدرسة يعمل فيها 41,000 معلّم ويلتحق بها 900,000 طفل يتلقّون تعليمهم بلغاتهم الأمّ: الكردية والعربية والسريانية الآرامية والأرمنية والتركية، وفقاً لوكالة أنباء آينا (AINA) وميديا نيوز.
في يناير 2026 م أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم الرئاسي رقم 13 الذي مثّل تحوّلاً تاريخياً في السياسة اللغوية السورية. نصّ المرسوم على الاعتراف بالكردية «لغةً وطنية» في سوريا، والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الغالبية الكردية بوصفها مادة اختيارية أو نشاطاً ثقافياً، وإلغاء جميع الإجراءات الاستثنائية الناجمة عن إحصاء 1962 م في الحسكة، ومنح الجنسية لجميع الأكراد في سوريا بمن فيهم غير المسجّلين، واعتماد عيد نوروز (21 آذار) عطلة رسمية وطنية مدفوعة الأجر، وحظر التمييز على أساس الانتماء الإثني أو اللغوي، والاعتراف بالهوية الثقافية الكردية بوصفها «جزءاً لا يتجزّأ من الهوية الوطنية السورية»، وذلك وفقاً لما أوردته وكالة سانا وقناة الجزيرة وصحيفة عرب نيوز.
تحتفظ سوريا بأهمية استثنائية في خريطة اللغات الآرامية الحيّة، إذ تضمّ آخر المتحدّثين بالآرامية الغربية الجديدة في العالم، إلى جانب مجتمعات ناطقة بالآرامية الشرقية الجديدة بأصنافها المتعدّدة.
تُعدّ الآرامية الغربية الجديدة الصنف الوحيد المتبقي من الآرامية الغربية في العالم بأسره، ولا يتجاوز عدد متحدّثيها نحو 1,000 شخص يتركّزون في بلدة معلولا الواقعة في جبال القلمون على بعد 56 كيلومتراً شمال شرق دمشق، مع وجود تاريخي في بلدتَي جبّعدين وبخعة المجاورتَين. وتتحدّث هذه اللغة عائلات مسيحية ومسلمة على حدّ سواء، وهي تُصنَّف ضمن اللغات «المهدّدة حتماً بالانقراض» (Definitely Endangered) وفقاً لأطلس اليونسكو للغات المهدّدة بالاندثار (الطبعة الثالثة، 2009 م). وتكتسب هذه اللغة أهمية رمزية وثقافية فائقة لكونها أقرب لغة حيّة إلى الآرامية الجليلية التي تحدّث بها السيد المسيح. وتتهدّدها عوامل متعدّدة أبرزها هجرة الشباب إلى المدن الكبرى وتداعيات الثورة السورية (إذ فرّ كثير من سكان بخعة إلى لبنان) وضعف انتقالها بين الأجيال.
تنتمي السوريث (الآرامية الآشورية الجديدة) إلى فرع الآرامية الشرقية الجديدة، ويتحدّثها الآشوريون والكلدان في شمال شرق سوريا. يُقدَّر عدد المتحدّثين بالآرامية الآشورية الجديدة في سوريا بنحو 235,000 شخص، إضافة إلى نحو 216,000 متحدّث بالآرامية الكلدانية. يتركّز هؤلاء في منطقة الجزيرة، لا سيّما في القامشلي والحسكة ووادي الخابور حيث استوطن نحو 9,000 لاجئ آشوري في عشرين قرية قرب تلّ تمر عام 1933 م بعد مذبحة سميل في العراق. وقد تعرّضت هذه المجتمعات لضربة قاسية في فبراير 2015 م حين هاجم تنظيم داعش القرى الآشورية في وادي الخابور واحتجز مئات السكان رهائن، ممّا أدّى إلى موجة نزوح كبيرة.
ينتمي التورويو إلى الآرامية الشرقية الجديدة المركزية، ويتحدّثه أبناء الطائفة السريانية الأرثوذكسية في القامشلي ومنطقة الخابور. يُقدَّر عدد المتحدّثين بالتورويو بين 100,000 و450,000 شخص عالمياً، أغلبهم من المهاجرين من منطقة طور عبدين في جنوب شرق تركيا. ويواجه التورويو تهديداً جدّياً بسبب الهجرة المتواصلة والاندماج اللغوي.
تحتفظ السريانية الكلاسيكية (الآرامية الرهاوية الوسطى الشرقية) بمكانتها لغةً طقسية في الكنائس السريانية الأرثوذكسية والسريانية الكاثوليكية والمارونية. ورغم أنها لم تعد لغة تواصل يومي، فإنها تُمثّل تراثاً ثقافياً ودينياً حيّاً يُحافَظ عليه في الصلوات والتراتيل الكنسية.
تُمثّل التركمانية ثالث أكثر اللغات انتشاراً في سوريا أو رابعها، وتنتمي إلى الفرع الأوغوزي من أسرة اللغات التركية، وتقع في سلسلة متّصلة بين التركية والأذربيجانية مع تأثّر بارز بالعربية والفارسية. ويُمثّل التركمان السوريون ثاني أكبر أقلّية إثنية بعد الأكراد، وإن كانت التقديرات تتباين تبايناً كبيراً بسبب غياب إحصاءات رسمية، إذ تتراوح بين بضع مئات الآلاف و1.5 مليون شخص (بما في ذلك من تعرّبوا لغوياً مع احتفاظهم بهويتهم الإثنية).
يتركّز التركمان جغرافياً في مناطق متعدّدة أبرزها: جبل التركمان (جبل الأكراد) في محافظة اللاذقية، وهو المعقل الرئيسي للتركمان في الشمال الغربي؛ ومنطقة شمال حلب وأعزاز قرب الحدود التركية؛ ومناطق حمص وحماة حيث استوطنت عائلات تركمانية منذ الحقبة العثمانية في القرن السادس عشر الميلادي كعنصر موازن للقبائل البدوية؛ ومحافظة الرقة وجيوب أصغر في درعا والقنيطرة ودمشق.
يتراوح عدد متحدّثي الأرمنية الغربية في سوريا بين 15,000 و35,000 شخص وفقاً لإثنولوغ، وهي لهجة تختلف عن الأرمنية الشرقية المعتمدة في جمهورية أرمينيا بسبب الفصل التاريخي الطويل الناجم عن الإبادة الجماعية. وتعود جذور الجالية الأرمنية في سوريا إلى موجات اللجوء المتعاقبة بعد الإبادة الأرمنية (1915-1922 م) في الإمبراطورية العثمانية، حين تدفّق مئات الآلاف من اللاجئين الأرمن إلى حلب. ففي عام 1922 م بلغ عدد اللاجئين الأرمن في حلب 20,007 أشخاص يمثّلون 12.76% من سكان المدينة البالغ عددهم 156,748 نسمة، ثمّ تدفّق 40,000 لاجئ آخرون بين عامَي 1923 و1925 م ليشكّل الأرمن نحو 25% من سكان المدينة آنذاك.
وقد أسّس المجتمع الأرمني في حلب بنية ثقافية وتعليمية متكاملة تضمّ عشر مدارس أرمنية (من بينها مدرسة كارين جبّي الخاصة التي تأسّست عام 1947 م ومدرسة هايغازيان)، إضافة إلى صحف وجمعيات ثقافية وكنائس، ممّا جعل حلب مركزاً محورياً للشتات الأرمني في الشرق الأوسط. وتُصنّف اليونسكو الأرمنية الغربية في تركيا ضمن اللغات «المهدّدة حتماً بالانقراض» (الطبعة الثالثة، 2009 م)، وتنطبق أخطار مماثلة على الأصناف المتحدَّث بها في سوريا، لا سيّما بعد هجرة أعداد كبيرة من الأرمن السوريين إلى أرمينيا ولبنان وأوروبا منذ اندلاع الحرب عام 2011 م، وفقاً لمجموعة حقوق الأقلّيات الدولية.
يتراوح عدد متحدّثي الشركسية في سوريا بين عشرات الآلاف ونحو 100,000 شخص، ويعود وجودهم إلى موجات الهجرة القسرية من شمال غرب القوقاز بعد الحرب الروسية الشركسية والإبادة الشركسية عام 1864 م. وقد وصلت أولى المجموعات إلى القنيطرة عام 1873 م، ثمّ تبعتها موجة ثانية بعد الحرب الروسية العثمانية (1877-1878 م) ضمّت نحو 70,000 شخص استوطنوا مناطق متعدّدة في الولايات العثمانية السورية. وشمل ذلك إنشاء 16 قرية في مرتفعات الجولان وتجمّعات جنوب حلب ومنطقة حمص.
تضمّ اللغة الشركسية في سوريا لهجتَين رئيسيتَين هما الأديغية (الشركسية الغربية) والقبردية (الشركسية الشرقية). وقد تأثّر الوضع اللغوي للشراكسة بعاملَين أساسيَّين: الاحتلال الإسرائيلي لمرتفعات الجولان عام 1967 م الذي أدّى إلى تهجير نحو 18,000 شركسي، وسياسات الاندماج التي تبنّتها الحكومة السورية. ورغم التقدّم في الاستيعاب الثقافي، تُشير تقارير جمعية الأديغة خاسي (Adyghe Khase) إلى استمرار حفاظ كثير من العائلات على لغتهم وعاداتهم القبلية.
تتراوح تقديرات عدد أبناء المجتمع الشيشاني في سوريا قبل عام 2011 م حول 6,000 شخص، وهم من نسل المهاجرين القوقاسيين الذين نزحوا بعد الغزو الروسي في القرن التاسع عشر. ينتشرون في الحسكة والقامشلي ورأس العين وقرية الصفيح (10 كيلومترات من رأس العين) والرقة ودير الزور، وفي الجولان سابقاً. وقد تعرّض الحفاظ على اللغة الشيشانية لضغوط شديدة بسبب صغر حجم المجتمع والمحيط العربي اللغوي السائد، فضلاً عن سياسات حزب البعث التي عزّزت اندماج الأقلّيات القوقازية في المجتمع العربي، وفقاً لتقرير موقع عنب بلدي (2020 م).
تُعدّ الدومارية لغة مجتمع الدوم (المعروفين أيضاً بتسمية «النَّوَر») في سوريا، وهي لغة هندو-آرية ترتبط بعلاقة قرابة مع لغة الروماني التي يتحدّثها الغجر في أوروبا. يُقدَّر عدد أبناء مجتمع الدوم في سوريا بين 100,000 و250,000 شخص ينتشرون في غرب سوريا ولبنان وجنوب تركيا. وتُصنَّف الدومارية ضمن اللغات «المهدّدة بشدّة بالانقراض»، إذ تُشير الدراسات الأكاديمية (ومنها دراسة «اللغة الدومارية في حلب» المنشورة على موقع ريسيرش غيت) إلى أنّ أصغر المتحدّثين بها في دمشق يبلغون نحو الثلاثين من العمر دون نقلها إلى الأطفال. ويُقدِّر الخبراء أنّ الدومارية قد تنقرض خلال ستين عاماً بسبب التهميش الاجتماعي والضغط اللغوي العربي، وقد فاقم النزوح الناجم عن الثورة السورية من تشتّت مجتمع الدوم وتآكل لغتهم.
يبلغ عدد متحدّثي اليونانية الكريتية في سوريا نحو 8,000 شخص يتركّزون في بلدة الحميدية غرب البلاد، وفقاً لتقديرات إثنولوغ. يعود أصل هذا المجتمع إلى حركات التبادل السكاني التاريخية، ويُمثّل شاهداً حيّاً على التنوّع الثقافي واللغوي في المنطقة الساحلية السورية. وتجدر الإشارة إلى أنّ اليونانية كانت تاريخياً لغة الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية التي أسّسها الرسول بطرس، غير أنّ العربية حلّت محلّ اليونانية في الليتورجيا الأنطاكية في القرن السابع عشر الميلادي، وأصبح مسيحيو الروم الأرثوذكس (المعروفون بلقب «الرّوم» نسبة إلى الإمبراطورية البيزنطية) يتحدّثون العربية لغة أمّاً مع احتفاظ بعض العناصر الطقسية باليونانية.
تُعدّ سوريا من البلدان التي تشهد تراجعاً لغوياً ملحوظاً، إذ تُصنّف عدة لغات من لغاتها ضمن اللغات المهدّدة بالانقراض وفقاً لمعايير اليونسكو ومشروع اللغات المهدّدة بالانقراض (Endangered Languages Project). ويُلخّص الجدول التالي الوضع اللغوي لأبرز هذه اللغات:
| اللغة | تصنيف اليونسكو | عدد المتحدّثين (تقدير) | عوامل التهديد الرئيسية |
|---|---|---|---|
| الآرامية الغربية الجديدة (معلولا) | مهدّدة حتماً | ~1,000 | هجرة الشباب، الثورة السورية |
| الأرمنية الغربية | مهدّدة حتماً | 15,000–35,000 في سوريا | الإبادة، الشتات، الحرب |
| التورويو (السورَيْث) | مهدّدة | 100,000–450,000 عالمياً | الهجرة، الاستيعاب |
| السوريث (الآشورية) | مهدّدة | ~235,000 في سوريا | مذابح داعش، الهجرة |
| الدومارية | مهدّدة بشدّة | 100,000–250,000 في سوريا | التهميش، التعريب |
| الشركسية | مهدّدة | عشرات الآلاف | التهجير (1967)، الاستيعاب |
| الشيشانية | مهدّدة بشدّة | ~6,000 (قبل 2011) | صغر المجتمع، الحرب |
وقد فاقمت الثورة السورية (2011-2024 م) من أخطار الانقراض اللغوي بصورة غير مسبوقة، إذ أدّى تشتّت المجتمعات الصغيرة وتهجيرها إلى قطع سلاسل النقل اللغوي بين الأجيال. ويُقدَّر عدد اللاجئين السوريين في دول الجوار بنحو 5.6 مليون شخص، فيما بلغ عدد النازحين داخلياً نحو 6 ملايين، وفقاً لبيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
مرّت السياسة اللغوية في سوريا بثلاث مراحل متمايزة شكّلت المشهد اللغوي الراهن في البلاد:
تبنّى حزب البعث العربي الاشتراكي منذ استيلائه على السلطة عام 1963 م سياسة تعريب شاملة قامت على مركزية الهوية العربية وتهميش الهويات اللغوية الأخرى. وقد كرّس دستور 1973 م هذا التوجّه بنصّه على أنّ «الشعب العربي السوري جزء من الأمة العربية». وطُبّقت سياسة التعريب بصرامة خاصة تجاه الأكراد، فيما تمتّع الأرمن والآشوريون بقدر من التسامح الانتقائي تمثّل في السماح لهم بتشغيل مدارس خاصة وجمعيات ثقافية. وقد وُثّقت تفاصيل هذه السياسات في تقرير منظمة السوريون من أجل الحقيقة والعدالة بعنوان «قتل اللغات الأمّ بوصفه شكلاً من أشكال الإبادة الثقافية المستمرة في سوريا».
أسّست الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا نموذجاً فريداً من التعدّدية اللغوية المؤسّسية يقوم على المساواة بين اللغات الثلاث (الكردية والعربية والسريانية) في جميع المجالات الرسمية: التعليم والإدارة والقضاء والوثائق الرسمية. واعتُمدت الإنجليزية لغة أجنبية إلزامية ثالثة في المناهج الدراسية. وقد استند هذا النموذج فكرياً إلى مفهوم «الأمة الديمقراطية» الذي طرحه عبد الله أوجلان.
شكّل سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 م نقطة تحوّل في النقاش حول الحقوق اللغوية في سوريا. ومثّل المرسوم الرئاسي رقم 13 (يناير 2026 م) خطوة أولى نحو الاعتراف الرسمي بالتعدّدية اللغوية، وإن اقتصر على اللغة الكردية. وتطالب المجتمعات الآشورية بالاعتراف بالآرامية الآشورية لغةً وطنية أيضاً. وتبقى الأسئلة الجوهرية مفتوحة حول مستقبل الحقوق اللغوية في الإطار الدستوري السوري الجديد، إذ يُحذّر بعض المراقبين من أنّ المرسوم دون ضمانة دستورية يظلّ رمزياً وقابلاً للإلغاء. ويرتبط هذا النقاش ارتباطاً وثيقاً بالجدل الأوسع حول شكل الدولة المقبل: فدرالية تضمن استقلالية لغوية للمناطق أم دولة مركزية موحّدة.
تتجاوز المسألة اللغوية في سوريا البعد التواصلي لتغدو ركيزة أساسية في تشكيل الهويات الجماعية وإعادة إنتاجها. فبالنسبة للأكراد والأرمن والآشوريين، تُمثّل اللغة جوهر الهوية الإثنية ووعاءها الرمزي، ولذلك استهدفت سياسات التعريب اللغة بوصفها أداة لتفكيك الهويات غير العربية.
وقد كشفت أزمة اللجوء عن بُعد جديد لإشكالية اللغة والهوية، إذ تُشير الأبحاث إلى أنّ أطفال اللاجئين السوريين في تركيا فقدوا إتقانهم للعربية بعد سنوات من الاندماج في المنظومة التعليمية التركية، ممّا خلق حاجزاً لغوياً يُعقّد عودتهم المحتملة إلى سوريا. كما يواجه أبناء الجيل الثاني من اللاجئين في أوروبا والولايات المتحدة تحدّيات الاحتفاظ بلغة الوالدين (سواء أكانت العربية أم الكردية أم الأرمنية)، وهو ما يطرح تساؤلات عميقة حول استمرارية الهوية السورية بأبعادها المتعدّدة في الشتات.
وفي الداخل السوري، أدّت الثورة السورية إلى إضعاف مجتمعات لغوية صغيرة كانت مستقرّة تاريخياً: فقد تشتّت أرمن حلب بين أرمينيا وأوروبا والأمريكتَين، ونزح آشوريو وادي الخابور إلى ألمانيا وأستراليا والولايات المتحدة، وفرّ كثير من متحدّثي آرامية معلولا من بلدتهم. وكلّ تشتّت مجتمعي من هذا القبيل يُضعف سلسلة النقل اللغوي بين الأجيال ويُقرّب لغة أخرى من حافة الانقراض. ويبقى مستقبل التعدّدية اللغوية في سوريا رهيناً بقدرة الدولة الجديدة على تحويل الاعتراف السياسي بحقوق الأقلّيات إلى سياسات تعليمية وثقافية فعّالة تحمي هذا الإرث الحضاري الفريد.