تُعدّ الجمهورية العربية السورية من أغنى بلدان غرب آسيا تنوعاً بيولوجياً، إذ يتقاطع فيها إقليم حوض البحر الأبيض المتوسط الحيوي مع الإقليم الإيراني-الطوراني والإقليم الصحراوي-العربي، فتؤوي ضمن مساحتها البالغة نحو 185.180 كيلومتراً مربعاً ما لا يقلّ عن 125 نوعاً من الثدييات، و394 نوعاً من الطيور، و127 نوعاً من الزواحف، و16 نوعاً من البرمائيات، و108 أنواع من أسماك المياه العذبة، فضلاً عن ما بين 3.077 و3.500 نوع من النباتات الوعائية. غير أنّ هذا الثراء الطبيعي يواجه منذ عقود ضغوطاً متصاعدة من التوسّع العمراني والرعي الجائر والصيد غير المنظّم، وقد تضاعفت تلك الضغوط بصورة كارثية منذ اندلاع الحرب عام 2011 التي أتت على ثلث الغطاء الحرجي وعطّلت برامج الحماية ودمّرت محميّات بأكملها.
يتشكّل التنوع البيولوجي السوري من تفاعل خمسة أقاليم بيئية رئيسية، يختلف كلّ منها في مناخه وتضاريسه وتركيبة الأنواع التي يحتضنها. ويُمكن إجمال هذه الأقاليم على النحو التالي:
يمتدّ هذا الإقليم على طول الشريط الساحلي السوري من رأس البسيط شمالاً إلى الحدود اللبنانية جنوباً، ويشمل سلسلة الجبال الساحلية التي يبلغ أقصى ارتفاع لها نحو 1.562 متراً فوق سطح البحر في منطقة النبي يونس. يتلقّى هذا الإقليم أعلى معدّلات هطول في البلاد، تتراوح بين 750 و1.000 ملّيمتر سنوياً، ممّا يُتيح نموّ غابات كثيفة من الأرز اللبناني (Cedrus libani)، والتنّوب القيليقي (Abies cilicica)، والصنوبر البروتي (Pinus brutia)، والبلّوط بأنواعه المتعدّدة (Quercus spp.)، إلى جانب نباتات الماكي والفريغانا النمطية لحوض المتوسط.
يُعدّ هذا الإقليم الأغنى تنوعاً بيولوجياً في سوريا، إذ يحتضن أكثر من 60% من الأنواع النباتية المسجّلة في البلاد. وتعيش فيه أنواع ثديية بارزة مثل الخنزير البرّي (Sus scrofa) والذئب العربي (Canis lupus arabs) وابن آوى الذهبي (Canis aureus) والوشق (القطّ البرّي الأوروبي Felis silvestris) والغرير (Meles meles) والنيص (Hystrix indica). ومن أبرز ما يميّز هذا الإقليم أنّه الموطن الأصلي والوحيد للهامستر الذهبي (Mesocricetus auratus)، ذلك القارض الصغير المتوطّن في المنطقة المتوسطية السورية والذي اكتشفه العالم إسرائيل أهاروني عام 1930 بالقرب من حلب، وأصبح لاحقاً أحد أكثر حيوانات المختبرات والحيوانات الأليفة انتشاراً في العالم، في حين تراجعت أعداده في موطنه الأصلي تراجعاً حادّاً حتّى صُنّف بوصفه مهدّداً بالانقراض (EN) على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة (IUCN).
كذلك يُعدّ الإقليم المتوسطي ممرّاً حيوياً للطيور المهاجرة، ويضمّ عدداً من المناطق المهمّة للطيور (IBAs) المعترف بها دولياً، ومنها محمية الأرز والشوح في منطقة صلنفة بمحافظة اللاذقية.
يُشكّل هذا الإقليم حزاماً انتقالياً واسعاً بين المناطق المتوسطية الرطبة والصحراء القاحلة، ويمتدّ عبر وسط سوريا من الشمال إلى الجنوب. تتراوح معدّلات الهطول فيه بين 250 و500 ملّيمتر سنوياً، وتُهيمن عليه نباتات الشيح (Artemisia sieberi) والرغل (Atriplex spp.) والحرمل (Peganum harmala)، إلى جانب حشائش موسمية تتحوّل في فصل الربيع إلى بساط أخضر يجتذب قطعان الرعاة.
يُوفّر هذا الإقليم موائل ملائمة لعدد من الثدييات الكبيرة والمتوسطة، أبرزها الذئب العربي (Canis lupus arabs) والضبع المخطّط (Hyaena hyaena syriaca) والوشق الصحراوي (العناق أو الكاراكال Caracal caracal) والثعلب الأحمر (Vulpes vulpes) والأرنب البرّي (Lepus capensis). وكان هذا الإقليم تاريخياً موطناً لغزال الجبل (Gazella gazella) وغزال الريم (Gazella subgutturosa) والمها العربي (Oryx leucoryx)، لكنّ الصيد الجائر والتحوّل الزراعي أدّيا إلى تراجع حادّ في أعدادها أو انقراضها محلّياً.
تُغطّي البادية السورية ما يتراوح بين 55% و60% من إجمالي مساحة البلاد، أي ما يزيد على 100.000 كيلومتر مربع، وتتلقّى أقلّ من 130 ملّيمتراً من الأمطار سنوياً. وعلى الرغم من قسوة هذه البيئة، فإنّها تزخر بأشكال حياة متكيّفة بشكل فريد مع الجفاف الشديد والتباين الحراري الكبير بين الليل والنهار.
من أبرز ثدييات هذا الإقليم قطّ الرمال (Felis margarita)، وهو من أصغر القطط البرّية في العالم وأكثرها تكيّفاً مع الحياة الصحراوية، إذ تُغطّي وسائد أقدامه فراء كثيفة تحميه من حرارة الرمال، وقد أُثبت وجوده في البادية السورية حديثاً بعد غياب طويل عن السجلّات العلمية. كذلك تعيش في البادية أنواع من الثعالب كثعلب الرمال (Vulpes rueppellii) والثعلب الأفغاني (Vulpes cana)، فضلاً عن الضبع المخطّط (Hyaena hyaena) والذئب العربي الذي يجوب مساحات شاسعة بحثاً عن فرائسه.
أمّا الزواحف فتُشكّل المجموعة الأكثر تنوّعاً في هذا الإقليم، ومنها الضبّ المصري (Uromastyx aegyptia) وعدّة أنواع من الأفاعي كالأفعى المقرنة (Cerastes cerastes) وأفعى الرمل (Cerastes gasperettii). ويُعدّ هذا الإقليم كذلك موطناً لأنواع متعدّدة من العقارب والعناكب والحشرات الصحراوية المتخصّصة.
يضمّ هذا الإقليم شبكة من البحيرات والأنهار والمستنقعات المنتشرة عبر مختلف المناطق السورية، وتُشكّل هذه المسطّحات المائية موائل بالغة الأهمية للتنوع البيولوجي، ولا سيّما الطيور المائية المهاجرة والمقيمة.
من أبرز هذه الأراضي الرطبة:
سبخة الجبّول: تقع شرق حلب، وهي بحيرة مالحة تمتدّ على مساحة نحو 270 كيلومتراً مربعاً، وتُعدّ الموقع السوري الوحيد المسجّل في اتفاقية رامسار منذ عام 1998. تستضيف في فصل الشتاء ما يزيد على 20.000 طائر مائي، وتحتضن نحو 1% من التعداد العالمي لطيور النحام الكبير (الفلامينغو Phoenicopterus roseus). وتُعدّ موقعاً حيوياً لتكاثر عدد من الطيور النادرة بما فيها الخرشنة البيضاء الجناح (Chlidonias leucopterus).
بحيرة قطّينة: تقع على مجرى نهر العاصي جنوب حمص، وتُعدّ من أقدم البحيرات الاصطناعية في التاريخ. تُوفّر موئلاً لأسماك المياه العذبة والطيور المائية المتنوّعة.
بحيرة الأسد: تشكّلت خلف سدّ الطبقة على نهر الفرات، وتمتدّ على مساحة واسعة تُتيح موائل للأسماك والطيور المائية.
أراضي الغاب الرطبة: تقع في سهل الغاب على مجرى نهر العاصي، وكانت تاريخياً من أغنى المناطق الرطبة في بلاد الشام قبل تجفيفها جزئياً في خمسينيات القرن العشرين.
يشمل هذا الإقليم عدّة كتل جبلية متفرّقة تتميّز بخصائص بيئية فريدة:
جبل الشيخ (حرمون): يبلغ ارتفاعه 2.814 متراً فوق سطح البحر، وهو أعلى قمّة في سوريا. يحتضن أنواعاً ألبية ومتوسطية مميّزة، ويُعدّ آخر معاقل الوعل النوبي (Capra nubiana) في سوريا. وتكسو سفوحه غابات من البلّوط والعرعر إلى جانب مروج ألبية في المرتفعات العليا.
سلسلة جبال لبنان الشرقية (جبال القلمون): تمتدّ على الحدود السورية-اللبنانية وتحتضن أنواعاً نباتية وحيوانية مشتركة مع جبل الشيخ.
جبل العرب: كتلة بركانية في جنوب سوريا ترتفع إلى نحو 1.803 أمتار، وتتميّز بموائل صخرية فريدة تؤوي أنواعاً من الزواحف والثدييات الصغيرة.
جبل عبد العزيز: يقع في محافظة الحسكة ضمن الجزيرة السورية، ويُمثّل جزيرة بيئية ضمن السهوب المحيطة به، ويحتضن غطاءً نباتياً أكثر كثافة من محيطه.
تضمّ سوريا 125 نوعاً مسجّلاً من الثدييات، منها 14 نوعاً (بنسبة 13.3%) مصنّفاً ضمن الفئات المهدّدة على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة. ويُمكن تصنيف أبرز هذه الأنواع في المجموعات التالية:
| النوع | الاسم العلمي | حالة الحفظ (IUCN) | الموئل الرئيسي | ملاحظات |
|---|---|---|---|---|
| الذئب العربي | Canis lupus arabs | أدنى قلق (LC) | السهوب والبادية والجبال | نحو 200 فرد متبقٍّ |
| ابن آوى الذهبي | Canis aureus | أدنى قلق (LC) | واسع الانتشار | أكثر اللواحم الكبيرة شيوعاً |
| الثعلب الأحمر | Vulpes vulpes | أدنى قلق (LC) | جميع الأقاليم | متكيّف مع البيئات البشرية |
| الضبع المخطّط | Hyaena hyaena syriaca | شبه مهدّد (NT) | السهوب والبادية | مشاهدات متكرّرة في ريف حماة وإدلب |
| الكاراكال (العناق) | Caracal caracal | أدنى قلق (LC) | السهوب والبادية | يخضع لحظر الصيد |
| قطّ الرمال | Felis margarita | أدنى قلق (LC) | الصحراء الرملية | أُثبت وجوده حديثاً في البادية |
| الغرير | Meles meles | أدنى قلق (LC) | الغابات المتوسطية | ليلي النشاط |
| ثعلب الرمال | Vulpes rueppellii | أدنى قلق (LC) | البادية الصحراوية | متخصّص في البيئات القاحلة |
يُعدّ الذئب العربي (Canis lupus arabs) أكبر اللواحم الباقية في سوريا، وتُقدّر أعداده بنحو 200 فرد منتشرة في المناطق الجبلية والسهبية. وقد عانى هذا النوع تاريخياً من الاضطهاد والصيد غير المشروع، لكنّه أبدى قدرة ملحوظة على التكيّف والبقاء حتّى في المناطق القريبة من التجمّعات البشرية. أمّا الضبع المخطّط (Hyaena hyaena syriaca) فيُعدّ النوع الفرعي السوري منه مميّزاً بحجمه الأكبر نسبياً، وقد سُجّلت مشاهدات متكرّرة له في ريف حماة وإدلب والمناطق الجبلية الساحلية، وهو يلعب دوراً بيئياً مهمّاً بوصفه كاسحاً للجيف.
شهدت سوريا تراجعاً كارثياً في أعداد ذوات الحوافر البرّية خلال القرن العشرين. وفيما يلي أبرز الأنواع وحالتها الراهنة:
| النوع | الاسم العلمي | حالة الحفظ (IUCN) | الوضع في سوريا |
|---|---|---|---|
| الوعل النوبي | Capra nubiana | معرّض للخطر (VU) | أُعيد إلى محمية التليلة؛ جمهرات برّية صغيرة في جبل الشيخ |
| غزال الجبل | Gazella gazella | مهدّد بالانقراض (EN) | أعداد متبقّية قليلة جدّاً |
| غزال الريم (الدرقي) | Gazella subgutturosa | معرّض للخطر (VU) | تراجع حادّ؛ يوجد في محمية التليلة |
| الغزال الدرقي | Gazella marica | معرّض للخطر (VU) | أعداد محدودة في البادية |
| الخنزير البرّي | Sus scrofa | أدنى قلق (LC) | واسع الانتشار في المناطق الحرجية |
| الهامستر الذهبي | Mesocricetus auratus | مهدّد بالانقراض (EN) | متوطّن في شمال غرب سوريا — نوع ذو أهمية عالمية |
يستحقّ الهامستر الذهبي (Mesocricetus auratus) وقفة خاصّة، فهو النوع الوحيد من الثدييات المتوطّن في سوريا (endemic). اكتُشف لأوّل مرّة عام 1839 من قِبل عالم الطبيعة البريطاني جورج ووترهاوس من عيّنة جُمعت بالقرب من حلب، لكنّه ظلّ شبه مجهول حتّى عام 1930 حين جمع العالم إسرائيل أهاروني مستعمرة كاملة من جبل حلب، وأُرسلت العيّنات إلى الجامعة العبرية في القدس ومنها انتشرت إلى مختبرات العالم أجمع. واليوم يعيش أكثر من مليون هامستر ذهبي في الأسر حول العالم كحيوانات مختبرية ومنزلية، في حين تتناقص أعداده البرّية في موطنه الأصلي بسبب التوسّع الزراعي والتحضّر، ممّا أدّى إلى تصنيفه مهدّداً بالانقراض.
فقدت سوريا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين عدداً من أبرز ثدييّاتها الكبيرة نتيجة الصيد الجائر وتدمير الموائل. ويُلخّص الجدول التالي أهمّ هذه الخسائر:
| النوع | الاسم العلمي | آخر مشاهدة | سبب الانقراض المحلّي |
|---|---|---|---|
| الأسد الآسيوي | Panthera leo persica | حلب، 1891 م | الصيد المفرط |
| الفهد العربي (النمر العربي) | Panthera pardus nimr | الجبال الساحلية، 1963 م | الصيد المفرط وتدمير الموائل |
| الفهد الآسيوي (الشيتا) | Acinonyx jubatus venaticus | أواخر القرن 19 | الصيد المفرط |
| الحمار البرّي السوري (الهِمِبُّوس) | Equus hemionus hemippus | 1927 م (برّي)؛ 1928 م (آخر فرد في حديقة حيوان فيينا) | الصيد خلال الحرب العالمية الأولى والمجاعات |
| المها العربي | Oryx leucoryx | منتصف القرن 20 | الصيد المفرط؛ أُعيد إلى محمية التليلة |
| النعامة العربية | Struthio camelus syriacus | ثلاثينيات القرن 20 | الصيد المفرط وجمع البيض؛ أُعيد نوع أفريقي إلى التليلة |
| الدبّ السوري البنّي | Ursus arctos syriacus | خمسينيات القرن 20 (آثار أقدام 2004 و2011) | الصيد وتدمير الموائل الحرجية |
تستحقّ قصّة الحمار البرّي السوري (Equus hemionus hemippus) — المعروف بالهِمِبُّوس — اهتماماً خاصّاً، فهو النوع الفرعي الوحيد من الحُمُر البرّية الذي انقرض انقراضاً تامّاً ولا مجال لاستعادته. كان هذا الحيوان الصغير الأنيق يجوب سهوب بلاد الشام والبادية السورية بأعداد كبيرة، لكنّ الصيد المكثّف خلال الحرب العالمية الأولى — حين استخدم الجنود الأتراك والبريطانيون والعرب هذه الحيوانات مصدراً للحوم — أدّى إلى تدمير آخر القطعان البرّية. وتُوفّي آخر فرد معروف من هذا النوع الفرعي في حديقة حيوان شونبرون في فيينا عام 1928 م، مُسدلاً الستار على وجود استمرّ آلاف السنين في هذه المنطقة.
أمّا الدبّ السوري البنّي (Ursus arctos syriacus) فقد اعتُبر منقرضاً محلّياً منذ خمسينيات القرن العشرين، غير أنّ اكتشاف آثار أقدام في المناطق الجبلية الحدودية عامَيْ 2004 و2011 أثار تساؤلات حول إمكانية بقاء أفراد قليلة في المناطق النائية من سلسلة جبال لبنان الشرقية.
تُعدّ سوريا من أهمّ بلدان الشرق الأوسط من حيث تنوّع الطيور وأهمّيتها للهجرة، إذ يمرّ عبرها أحد أكبر ممرّات الهجرة في العالم (ممرّ الشرق الأوسط/وادي الصدع). سُجّل فيها 394 نوعاً من الطيور، منها 17 نوعاً (بنسبة 4.9%) مصنّفاً ضمن الفئات المهدّدة عالمياً. وتضمّ البلاد 23 منطقة مهمّة للطيور (IBA) معترفاً بها من قِبل منظّمة حياة الطيور الدولية (BirdLife International).
تُمثّل قصّة أبي منجل الأصلع (Geronticus eremita) واحدة من أكثر قصص الحفاظ على الأنواع إثارة وحزناً في تاريخ علم الطيور. هذا الطائر الفريد ذو الريش الأسود اللامع والرأس الأحمر العاري كان يُعشّش تاريخياً على الأجراف الصخرية في سوريا وتركيا وشمال أفريقيا، وهو مصنّف بوصفه مُعرّضاً لخطر انقراض أقصى (CR) على مستوى العالم.
في الفترة بين عامَيْ 1910 و1920، وثّق عالم الطبيعة إسرائيل أهاروني مئات الأزواج المتكاثرة بالقرب من تدمر والرقة، حيث كانت هذه الطيور تُعشّش على الأجراف الصخرية وتتغذّى في السهوب المحيطة. لكنّ الأعداد تراجعت بشكل حادّ خلال عقود القرن العشرين بسبب الصيد واستخدام المبيدات الحشرية وتدمير الموائل، حتّى اعتُقد أنّ الجمهرة الشرقية قد انقرضت تماماً.
في نيسان/أبريل 2002، جاء الاكتشاف المذهل حين عثر عالم البيئة الإيطالي جانلوكا سيرّا (Gianluca Serra) على مجموعة صغيرة من 7 أفراد تُعشّش على جرف صخري في بادية تدمر. أطلق هذا الاكتشاف برنامج حماية دولياً مكثّفاً شمل مراقبة الأعشاش وتتبّع الطيور بأجهزة الأقمار الاصطناعية وحماية مواقع التكاثر بالتعاون مع المجتمعات المحلّية البدوية.
كشف التتبّع بالأقمار الاصطناعية أنّ هذه الطيور تهاجر مسافة تزيد على 4.000 كيلومتر إلى مناطق التشتية في إثيوبيا واليمن والسعودية، وهي رحلة محفوفة بمخاطر الصيد والتسمّم وصدم خطوط الكهرباء. تناقصت أعداد المستعمرة تدريجياً، وفي عام 2013 عادت أنثى واحدة أُطلق عليها اسم «سلام» إلى موقع التكاثر في تدمر لوحدها. وبحلول عام 2015، ومع تصاعد الثورة السورية وسيطرة تنظيم داعش على تدمر، هُجرت المستعمرة نهائياً، ممّا أدّى إلى الانقراض الوظيفي للجمهرة الشرقية البرّية من هذا النوع.
يُعدّ الصقر الحرّ (Falco cherrug) من أكثر الطيور الجارحة تعرّضاً للتهديد في سوريا، وهو مصنّف مهدّداً بالانقراض (EN) عالمياً. تمرّ أعداد كبيرة من هذا النوع عبر سوريا خلال هجرتها الموسمية، وتتعرّض للصيد غير المشروع على نطاق واسع لتصديرها إلى دول الخليج العربي حيث تُستخدم في رياضة الصقارة التقليدية. وقد وُثّقت شبكات تهريب منظّمة تنشط في المناطق السهبية والصحراوية السورية، تستخدم الفخاخ والشِّباك لاصطياد الصقور المهاجرة ثمّ تُهرّبها إلى الأسواق الإقليمية بأسعار قد تصل إلى عشرات آلاف الدولارات للطائر الواحد.
تُعدّ الحبارى الآسيوية (Chlamydotis macqueenii) من الطيور المعرّضة للخطر (VU) عالمياً، وتمرّ عبر البادية السورية خلال هجرتها. تتعرّض هي الأخرى لضغط صيد كبير، ولا سيّما من حملات الصيد بالصقور التي كان يُنظّمها أمراء خليجيون في البادية السورية قبل الحرب، والتي كانت تستهدف أعداداً كبيرة من هذا النوع النادر.
تكتسب سوريا أهمية استثنائية بوصفها معبراً لملايين الطيور المهاجرة بين أوروبا وآسيا من جهة وأفريقيا من جهة أخرى. ومن أبرز المشاهد المهيبة تدفّق طيور اللقلق الأبيض (Ciconia ciconia) عبر الممرّ الشرقي، إذ يمرّ نحو 530.000 لقلق أبيض سنوياً فوق الأراضي السورية خلال هجرة الخريف، وقد سُجّل معدّل يصل إلى 300 طائر في الدقيقة الواحدة فوق سماء دير الزور في ذروة موسم الهجرة.
كذلك تستضيف الأراضي الرطبة السورية — وعلى رأسها سبخة الجبّول — أعداداً كبيرة من الطيور المائية الشتوية، بما فيها النحام الكبير (الفلامينغو Phoenicopterus roseus) الذي يتجمّع بالآلاف في مياه السبخة المالحة ويُشكّل نحو 1% من تعداده العالمي. وتُسجّل في السبخة كذلك أنواع من البطّ والإوزّ والخواضات والنوارس المتنوّعة.
من الطيور الجارحة المهاجرة التي تعبر سوريا بأعداد كبيرة: العُقاب المنقّط الصغير (Clanga pomarina) وعقاب السهوب (Aquila nipalensis) والحدأة السوداء (Milvus migrans) والبازي (Accipiter nisus) وصقر العسل الأوروبي (Pernis apivorus). وتُعدّ المرتفعات الجبلية ووادي نهر الفرات من أهمّ نقاط العبور لهذه الطيور.
تضمّ سوريا 127 نوعاً مسجّلاً من الزواحف، منها 9 أنواع (بنسبة 7.1%) مصنّفة ضمن الفئات المهدّدة. يُمثّل هذا العدد تنوّعاً لافتاً يعكس تعدّد الموائل البيئية في البلاد، من الغابات المتوسطية الرطبة إلى الصحاري القاحلة. ومن أبرز المجموعات:
السلاحف: تعيش في سوريا أنواع من السلاحف البرّية والمائية، أبرزها السلحفاة المهمازية (Testudo graeca) المنتشرة في المناطق المتوسطية والسهبية، والسلحفاة الرخوة الفراتية (Rafetus euphraticus) المهدّدة بالانقراض والتي تعيش في نهر الفرات وروافده. كذلك تُعشّش السلحفاة البحرية الخضراء (Chelonia mydas) على الشواطئ السورية، وتُصنّف سوريا ضمن أهمّ عشرة مواقع لتعشيش هذا النوع في حوض البحر الأبيض المتوسط.
السحالي: تتنوّع السحالي السورية بشكل كبير وتشمل الأبراص (Gekkonidae) بأنواع متعدّدة، والحرادين (Laudakia stellio) المنتشرة على الصخور والجدران، والضبّ المصري (Uromastyx aegyptia) في المناطق الصحراوية، والورل الصحراوي (Varanus griseus) الذي يُعدّ أكبر سحلية في البلاد ويصل طوله إلى متر ونصف. وتضمّ سوريا نوعَيْن متوطّنَيْن من الزواحف لا يوجدان في أيّ مكان آخر في العالم.
الأفاعي والثعابين: يعيش في سوريا نحو 37 نوعاً من الأفاعي والثعابين، منها أنواع سامّة خطيرة كالأفعى الفلسطينية (Daboia palaestinae) وأفعى الحراشف المنشارية (Echis coloratus) والكوبرا العربية (Walterinnesia aegyptia). ومن الثعابين غير السامّة المنتشرة: ثعبان الجرذان (Zamenis situla) والأسود الخلفي الأسنان (Malpolon monspessulanus).
تضمّ سوريا 16 نوعاً فقط من البرمائيات، وهو عدد متواضع يعكس الطبيعة القاحلة لمعظم مساحة البلاد. تتركّز معظم هذه الأنواع في الإقليم المتوسطي والمناطق المحاذية للأنهار والينابيع. ومن أبرزها: الضفدع الشجري (Hyla savignyi) الأخضر اللون الذي يعيش في الغابات والبساتين الرطبة، وضفدع المستنقعات (Pelophylax bedriagae) المنتشر قرب المسطّحات المائية، والعلجوم الأخضر (Bufotes variabilis) القادر على تحمّل درجة من الجفاف. وتواجه البرمائيات السورية تهديدات متزايدة من جفاف الينابيع وتلوّث المياه وتدمير الموائل الرطبة.
تضمّ المياه العذبة السورية 108 أنواع مسجّلة من الأسماك، وهو تنوّع لافت يعكس غنى الشبكة المائية السورية التي تشمل حوض نهر الفرات وحوض نهر العاصي وحوض نهر بردى والأنهار الساحلية. والمثير للقلق أنّ 24 نوعاً (بنسبة 26.5%) مصنّف ضمن الفئات المهدّدة — وهي أعلى نسبة تهديد بين جميع مجموعات الفقاريات السورية.
تحتضن سوريا 8 أنواع متوطّنة من أسماك المياه العذبة لا توجد في أيّ مكان آخر في العالم، ويرتبط معظمها بالينابيع والجداول الصغيرة في حوض العاصي وحوض بردى. وتواجه هذه الأنواع المتوطّنة مخاطر وجودية من جفاف الينابيع وتلوّث المياه وإدخال الأنواع الغازية كسمكة البلطي (Oreochromis spp.) وسمكة المبروك (Cyprinus carpio) اللتين تتنافسان مع الأنواع المحلّية على الغذاء والموائل.
من أبرز أسماك المياه العذبة السورية: أنواع من البنّي (Luciobarbus spp.) الذي يعيش في أنهار الفرات والعاصي وبردى ويُصطاد تقليدياً للاستهلاك المحلّي، والشبّوط (Carasobarbus spp.) وأسماك العين الكبيرة (Acanthobrama spp.) المتوطّنة في ينابيع حمص وحماة.
يُطلّ الساحل السوري على الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بشريط ساحلي يمتدّ نحو 183 كيلومتراً. وعلى الرغم من قِصر هذا الساحل، فإنّه يحتضن تنوعاً بحرياً معتبراً يشمل:
يواجه التنوع البحري السوري تهديدات من التلوّث النفطي وصرف المياه العادمة وغزو الأنواع الدخيلة عبر قناة السويس (ما يُعرف بالهجرة اللسبسية Lessepsian migration)، فضلاً عن الصيد الجائر باستخدام الديناميت والسموم.
يتراوح عدد أنواع النباتات الوعائية المسجّلة في سوريا بين 3.077 و3.500 نوع، منها 26 نوعاً مصنّفاً ضمن الفئات المهدّدة و7 أنواع متوطّنة لا توجد إلّا في الأراضي السورية. وتتوزّع هذه الثروة النباتية على الأقاليم البيئية الخمسة بتفاوت كبير، إذ يحتضن الإقليم المتوسطي النصيب الأكبر منها.
من أبرز الأنواع الشجرية المميّزة: الأرز اللبناني (Cedrus libani) الذي تُمثّل غاباته في جبال صلنفة واحدة من آخر الغابات الطبيعية لهذا النوع في العالم، والتنّوب القيليقي (Abies cilicica) الذي يعيش في المرتفعات الساحلية وتحتضن سوريا جمهرات مهمّة منه، والسنديان الطابوري (Quercus cerris) والبطم الأطلسي (Pistacia atlantica) الذي تتناثر أشجاره المعمّرة في السهوب الجافّة.
في المناطق الجافّة وشبه الجافّة، تُهيمن نباتات شجيرية متكيّفة مع الجفاف كالشيح (Artemisia herba-alba وA. sieberi) والرغل (Atriplex leucoclada) والسوّاد (Salsola spp.) والحلفا (Stipa spp.). وتلعب هذه النباتات دوراً بيئياً حيوياً في تثبيت التربة ومقاومة التصحّر وتوفير الغذاء والمأوى للحيوانات البرّية.
من النباتات المتوطّنة المميّزة: أنواع من السوسن (Iris spp.) لا تنمو إلّا في مواقع محدّدة من الجبال السورية، وأنواع من الأوركيد البرّي المتوسطي التي تزيّن المروج الجبلية في فصل الربيع.
اتّخذت سوريا خطوات لإنشاء شبكة من المحميّات الطبيعية منذ تسعينيات القرن العشرين، غير أنّ هذه الشبكة ظلّت محدودة المساحة وتفتقر في كثير من الأحيان إلى الإدارة الفعّالة والتمويل الكافي. ومن أبرز هذه المحميّات:
تُعدّ محمية التليلة أهمّ المحميّات الطبيعية في سوريا وأكثرها طموحاً. تأسّست عام 1991 وتمتدّ على مساحة 22.000 هكتار (220 كيلومتراً مربعاً) في بادية تدمر بمحافظة حمص. أُنشئت بهدف إعادة إدخال الأنواع المنقرضة محلّياً إلى بيئتها الطبيعية، وقد نجحت في إعادة توطين عدّة أنواع مهمّة:
سُجّل في المحمية وحدودها نحو 270 نوعاً من الطيور، ممّا يجعلها واحدة من أهمّ مناطق مراقبة الطيور في سوريا. غير أنّ الثورة السورية ألحقت أضراراً جسيمة بالمحمية، إذ تعرّضت للنهب والصيد غير المنضبط، وتُشير تقارير إلى نفوق أو قتل أعداد كبيرة من الحيوانات المُعاد توطينها.
تقع في منطقة صلنفة بمحافظة اللاذقية، وتأسّست عام 1996 على مساحة 1.350 هكتاراً. تحمي واحدة من آخر غابات الأرز اللبناني والتنّوب القيليقي الطبيعية في المنطقة. سُجّل فيها 142 نوعاً من النباتات، وتؤوي تنوّعاً حيوانياً مميّزاً يشمل الخنزير البرّي والذئب وابن آوى والسنجاب وأنواعاً عديدة من الطيور الحرجية.
تمتدّ على مساحة نحو 270 كيلومتراً مربعاً شرق حلب، وأُدرجت في قائمة اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة ذات الأهمية الدولية في الخامس من تمّوز/يوليو 1998، لتكون الموقع السوري الوحيد في هذه القائمة. تستضيف في فصل الشتاء أكثر من 20.000 طائر مائي من أنواع متعدّدة، وتُعدّ من أهمّ مواقع تجمّع النحام الكبير في الشرق الأوسط. تعرّضت السبخة خلال الحرب لأضرار بيئية جسيمة نتيجة القصف والتلوّث وانقطاع إمدادات المياه.
يقع في محافظة الحسكة ضمن الجزيرة السورية، ويُمثّل موئلاً سهبياً مهمّاً يضمّ أنواعاً نباتية وحيوانية مميّزة. يتميّز بغطاء نباتي أكثف من المناطق المحيطة به بفضل ارتفاعه النسبي الذي يُتيح له اعتراض رطوبة إضافية.
أحدثت الثورة السورية التي اندلعت عام 2011 دماراً بيئياً غير مسبوق في تاريخ البلاد، طال مختلف جوانب التنوع البيولوجي والموائل الطبيعية. ويُمكن تلخيص أبرز التأثيرات فيما يلي:
أشارت دراسات الاستشعار عن بُعد إلى فقدان نحو 20.4% من إجمالي الغطاء الشجري في سوريا بين عامَيْ 2012 و2019، في حين تُقدّر مصادر أخرى أنّ ثلث الغابات السورية قد اختفى منذ عام 2011. وتتعدّد أسباب هذا الدمار:
تُشير التقديرات إلى أنّ 85% من مساحة سوريا باتت مهدّدة بالتصحّر، وهي نسبة ارتفعت بشكل ملحوظ خلال سنوات الحرب نتيجة تدمير الغطاء النباتي وتوقّف برامج مكافحة التصحّر وهجرة المزارعين والرعاة.
في مفارقة لافتة، أشار بعض الباحثين إلى أنّ المناطق الملغومة والمحظورة عسكرياً قد تحوّلت عملياً إلى «محميّات غير مقصودة»، إذ أدّى غياب النشاط البشري فيها إلى تعافٍ جزئي للغطاء النباتي وعودة بعض الحيوانات البرّية. وهذه الظاهرة، التي رُصدت في مناطق نزاع أخرى حول العالم (كالمنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريّتين)، تُبرز بشكل مأساوي مدى تأثير النشاط البشري على الطبيعة.
انضمّت سوريا إلى عدد من الاتفاقيات البيئية الدولية الرئيسية:
| الاتفاقية | تاريخ الانضمام | ملاحظات |
|---|---|---|
| اتفاقية التنوع البيولوجي (CBD) | شباط/فبراير 1995 | عضو كامل |
| اتفاقية رامسار للأراضي الرطبة | 5 تمّوز/يوليو 1998 | موقع واحد مسجّل: سبخة الجبّول |
| اتفاقية الاتّجار الدولي بالأنواع المهدّدة (CITES) | عضو | تنظيم تجارة الأنواع المهدّدة |
| اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحّر (UNCCD) | عضو | مكافحة التصحّر والجفاف |
| بروتوكول كارتاخينا للسلامة البيولوجية | عضو | تنظيم الكائنات المعدّلة وراثياً |
أصدرت سوريا عدّة تشريعات تتعلّق بحماية البيئة والتنوع البيولوجي، أبرزها:
غير أنّ تطبيق هذه التشريعات ظلّ ضعيفاً حتّى قبل الحرب، وبات شبه مستحيل في معظم المناطق خلال سنوات النزاع.
على الرغم من الظروف الصعبة، تبذل عدّة جهات جهوداً لحماية ما تبقّى من التنوع البيولوجي السوري والتخطيط لتعافيه مستقبلاً:
يُمثّل التنوع البيولوجي السوري ثروة طبيعية فريدة ناتجة عن تقاطع ثلاثة أقاليم حيوية جغرافية كبرى ضمن مساحة جغرافية محدودة نسبياً. وقد أثبتت الأنواع السورية — من الذئب العربي إلى قطّ الرمال والهامستر الذهبي — قدرة ملحوظة على التكيّف والبقاء في ظروف بيئية قاسية. غير أنّ عقوداً من التوسّع العمراني والزراعي والرعي الجائر، تلاها دمار حربي غير مسبوق، أوصلت كثيراً من الأنواع والموائل إلى حافّة الانهيار. إنّ تعافي التنوع البيولوجي السوري يتطلّب التزاماً وطنياً ودولياً طويل الأمد يتضمّن إعادة تأهيل المحميّات، وإنفاذ التشريعات البيئية، وإشراك المجتمعات المحلّية، وتعزيز البحث العلمي — وهو مسار شاقّ لكنّه ضروري لصون إرث طبيعي بالغ القيمة.