يُعدّ النظام الصحي في سوريا من أبرز القطاعات التي شهدت تحولات جذرية خلال العقود الأخيرة، إذ انتقل من منظومة صحية مركزية حققت إنجازات ملموسة في خفض معدلات الوفيات ورفع متوسط العمر المتوقع، إلى نظام مُنهار ومُشظّى جراء الحرب التي اندلعت عام 2011 واستمرت أكثر من ثلاثة عشر عاماً. وقد أسفرت الهجمات الممنهجة على المرافق الصحية والعاملين فيها عن واحدة من أسوأ الكوارث الصحية في التاريخ المعاصر، حيث وثّقت منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» (PHR) أكثر من 604 هجمات على مرافق صحية ومقتل 949 عاملاً صحياً حتى عام 2024.
تتمتع سوريا بتراث طبي عريق يمتد إلى العصور الوسطى الإسلامية، حيث أسّس السلاطين والحكام مؤسسات طبية رائدة عُرفت بـ«البيمارستانات». ويُعدّ بيمارستان نور الدين في دمشق من أبرز هذه المؤسسات وأكثرها شهرة عالمياً. أسّسه السلطان الزنكي نور الدين محمود بن زنكي عام 1154 م تحت إشراف الطبيب أبي المجد البهيلي، وجُهّز بمخازن الأدوية والأغذية ومكتبة طبية متخصصة. وقد تميّز هذا البيمارستان بكونه أول مستشفى في التاريخ يحتفظ بسجلات طبية منتظمة للمرضى، مما يجعله سابقاً لعصره بقرون في مجال التوثيق الطبي.
ولم يكن بيمارستان نور الدين المؤسسة الوحيدة في دمشق، فقد ضمّت المدينة بحلول القرن الخامس عشر الميلادي خمسة بيمارستانات إضافية، فضلاً عن مؤسسات مماثلة في حلب وحماة ومدن سورية أخرى. وكانت هذه البيمارستانات تقدّم العلاج المجاني لجميع المرضى بصرف النظر عن خلفياتهم الاجتماعية أو الدينية، وتُموَّل عبر نظام الأوقاف الإسلامية. وقد رُمّم بيمارستان نور الدين عام 1975 وتحوّل إلى متحف الطب والعلوم عند العرب، ليظل شاهداً على ريادة سوريا في مجال الطب والاستشفاء.
في أواخر العصر العثماني، أسّس السلطان عبد الحميد الثاني المعهد الطبي التركي في دمشق عام 1901، ثم حوّله بموجب إرادة سلطانية بتاريخ 27 نيسان/أبريل 1903 إلى كلية طب إمبراطورية رسمية. وافتُتحت هذه الكلية رسمياً في 31 آب/أغسطس 1903 في قصر ظيور باشا بحي الصالحية في دمشق، وبدأ التدريس الفعلي بعد شهرين من الافتتاح.
وجاء قرار إنشاء هذه الكلية في سياق التنافس مع المؤسسات الطبية الخاصة في بيروت، لا سيما جامعة القديس يوسف اليسوعية وكلية الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت (الكلية السورية البروتستانتية آنذاك). وكانت لغة التدريس هي التركية العثمانية. واستمرت هذه المدرسة خمسة عشر عاماً تخرّج فيها 240 طبيباً و289 صيدلياً، قبل أن تُغلق مع انهيار الحكم العثماني في نهاية الحرب العالمية الأولى.
افتُتحت الكلية في الجناح الجنوبي من المستشفى الحميدي الكبير في حي البرامكة بدمشق، بالقرب من نهر بردى. وكان هذا المستشفى قد شُيّد مُطلاً على مسجد عظيم بناه السلطان سليمان القانوني في منتصف خمسينيات القرن السادس عشر.
بعد انتهاء الانتداب الفرنسي وإعلان استقلال سوريا عام 1946، أُعيد تأسيس كلية الطب في جامعة دمشق بوصفها المؤسسة الأكاديمية الطبية الأولى في البلاد، وريثةً للمدرسة الطبية العثمانية. وتُعدّ هذه الكلية الأقدم في سوريا والمنطقة، وقد لعبت دوراً محورياً في تخريج أجيال من الأطباء السوريين الذين أسهموا في بناء المنظومة الصحية الوطنية.
حقق النظام الصحي السوري تقدماً ملحوظاً في العقود التي سبقت اندلاع الثورة السورية عام 2011. فوفقاً لبيانات وزارة الصحة السورية لعام 2008، ضمّت البلاد:
وقد بلغ عدد الأسرّة الاستشفائية عام 1990 نحو 13,164 سريراً، أي ما يعادل 11 سريراً لكل 10,000 نسمة. وكانت الحكومة السورية تتبع نموذجاً صحياً مركزياً تتولى فيه الدولة الجزء الأكبر من تقديم الخدمات الصحية وتمويلها، مع وجود قطاع خاص متنامٍ لا سيما في المدن الكبرى مثل دمشق وحلب وحمص واللاذقية.
بلغ الإنفاق الصحي الحكومي عام 2009 نحو 2.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة منخفضة نسبياً مقارنة بالمعايير الدولية. وكان 61% من الإنفاق الصحي يأتي من الإنفاق المباشر من جيب المواطنين (out-of-pocket expenditure)، مما يعكس ضعف آليات الحماية المالية الصحية وغياب نظام تأمين صحي شامل. وكان هذا الاعتماد الكبير على الدفع المباشر يُشكّل عبئاً مالياً كبيراً على الأسر، لا سيما ذات الدخل المحدود، ويحدّ من وصول الفئات الأكثر ضعفاً إلى الخدمات الصحية الأساسية.
شهد متوسط العمر المتوقع عند الولادة في سوريا قفزات نوعية على مدى أربعة عقود:
| السنة | متوسط العمر المتوقع |
|---|---|
| 1970 | 56 سنة |
| 1990 | 68 سنة |
| 2000 | 72 سنة |
| 2010 | 75.9 سنة |
وتعكس هذه الأرقام نجاح السياسات الصحية العامة في مجالات مكافحة الأمراض المعدية وتحسين التغذية وتوسيع خدمات الرعاية الأولية.
انخفضت معدلات وفيات الرضع بشكل دراماتيكي من 132 لكل 1,000 ولادة حية عام 1970 إلى 17.9 لكل 1,000 عام 2009، مما يمثّل انخفاضاً بنسبة تزيد عن 86%. وتحقّق هذا الإنجاز بفضل توسيع برامج التطعيم والرعاية الصحية للأمهات والأطفال.
انخفضت معدلات وفيات الأمهات من 482 لكل 100,000 ولادة حية في السبعينيات إلى 52 لكل 100,000 بحلول عام 2009. ويُعزى هذا التحسن الكبير إلى توسيع خدمات الرعاية السابقة للولادة وتأمين الولادة في المرافق الصحية تحت إشراف كوادر مؤهلة.
بلغت نسبة التغطية بالتطعيم الوطني مستويات عالية تجاوزت 90% قبل عام 2011، مما ساهم في القضاء على أمراض خطيرة مثل شلل الأطفال (الذي أُعلن القضاء عليه في سوريا عام 1995) والحصبة والدفتيريا.
بحلول عام 2009، كانت سوريا قد أتمّت بشكل كبير الانتقال الوبائي من الأمراض المعدية إلى الأمراض المزمنة غير المعدية، حيث أصبحت 77% من إجمالي الوفيات ناجمة عن أمراض غير معدية كأمراض القلب والسرطان والسكري. وعلى الرغم من أن هذا التحول يعكس تحسناً في مكافحة الأمراض المعدية، إلا أنه كان يُلقي أعباءً جديدة على النظام الصحي الذي لم يكن مهيّأً بالكامل للتعامل مع الأمراض المزمنة.
قبل اندلاع النزاع، ضمّت سوريا خمس جامعات حكومية تحتوي على كليات للطب البشري:
وكانت مدة الدراسة في كليات الطب ست سنوات يعقبها سنتان من التدريب في المستشفيات التعليمية. وكان النظام التعليمي السوري يوفر التعليم الطبي مجاناً في الجامعات الحكومية، مما أسهم في تخريج أعداد كبيرة من الأطباء.
بلغ عدد الأطباء المسجلين في سوريا قبل الحرب نحو 30,000 طبيب، بالإضافة إلى أعداد كبيرة من الممرضين والصيادلة والفنيين الصحيين. وكانت نسبة الأطباء إلى السكان مقبولة نسبياً، وإن ظلت دون المعايير الدولية المثلى، مع تفاوت ملحوظ بين المناطق الحضرية والريفية في توزيع الكوادر الطبية.
حققت صناعة الأدوية في سوريا نقلة نوعية استثنائية في العقدين اللذين سبقا الحرب. ففي أواخر الثمانينيات، لم تكن الصناعة الدوائية المحلية تغطي سوى 6% فقط من الاحتياجات الوطنية، مما يعني اعتماداً شبه كلي على الاستيراد. غير أنه وبفضل سياسات حكومية داعمة وإطار تشريعي محفّز، تحوّل الوضع تحولاً جذرياً.
بحلول مطلع الألفية الثالثة، بلغ عدد مصانع الأدوية في سوريا أكثر من 70 مصنعاً (63 مصنعاً رئيسياً وفقاً لبعض الإحصاءات)، تُنتج نحو 5,700 نوع من المنتجات الدوائية. وأصبحت الصناعة المحلية تغطي قرابة 90% من الاحتياجات الوطنية من الأدوية، فضلاً عن تصدير منتجات صيدلانية بقيمة تقارب 150 مليون دولار سنوياً إلى أسواق الدول العربية والأفريقية.
وكان هذا القطاع يُشغّل نحو 17,000 عامل، منهم حوالي 85% من النساء، مما يعكس دور هذه الصناعة في التمكين الاقتصادي للمرأة السورية. وقد تضررت هذه الصناعة بشكل بالغ جراء الحرب والعقوبات الاقتصادية الدولية، حيث تعرّض كثير من المصانع للدمار أو النهب أو التوقف عن العمل بسبب انقطاع سلاسل الإمداد.
تُشكّل الهجمات على القطاع الصحي في سوريا واحدة من أخطر انتهاكات القانون الدولي الإنساني في الصراعات المعاصرة. فقد وثّقت منظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان» (Physicians for Human Rights - PHR) 604 هجمات موثّقة على مرافق صحية منذ بداية النزاع في عام 2011 وحتى عام 2024، استهدفت 350 منشأة صحية مختلفة تشمل مستشفيات ومراكز صحية وعيادات وسيارات إسعاف.
وبحسب تحليل منظمة PHR، فإن 92% من هذه الهجمات نُفّذت من قبل القوات الحكومية السورية وحليفتها روسيا، فيما تتحمل أطراف أخرى في النزاع المسؤولية عن النسبة المتبقية. وتضمنت الهجمات قصفاً جوياً وبراميل متفجرة وصواريخ بالستية استهدفت المستشفيات بشكل مباشر ومتكرر، وفي بعض الحالات تعرّض المستشفى ذاته للقصف مراراً.
وفي عام 2024 وحده، سُجّلت 77 هجمة على مرافق صحية، وفي الشهرين الأخيرين من العام (خلال الهجوم العسكري الذي أطاح بنظام الأسد) سُجّلت 70 هجمة، منها 51 أصابت مرافق صحية و39 أثّرت في الإمدادات الطبية. وشملت الهجمات الأخيرة قصف مستشفى جامعة حلب، ومستشفى جامعة إدلب، ومستشفى ابن سينا، والمستشفى الوطني، ومستشفى التوليد وأمراض النساء، ومديرية الصحة في إدلب.
لم تقتصر الانتهاكات على تدمير المباني، بل امتدت إلى استهداف الكوادر الطبية بشكل ممنهج. فقد وثّقت منظمة PHR مقتل 949 عاملاً صحياً منذ بداية النزاع وحتى آذار/مارس 2024، يشمل هذا العدد أطباء وممرضين ومسعفين وصيادلة وفنيين. ومن بين القتلى، لقي 129 عاملاً صحياً حتفهم جراء التعذيب في مراكز الاحتجاز.
وتكشف بيانات PHR أن العاملين الصحيين الذين اعتُقلوا بسبب تقديمهم الرعاية الطبية للمدنيين الجرحى كانوا أكثر عرضة بنسبة 400% للقتل في مراكز الاحتجاز، وأكثر عرضة بنسبة 550% للاختفاء القسري، مقارنة بمن اعتُقلوا لأسباب سياسية. وما يزال أكثر من 1,100 عامل صحي اعتُقلوا في عامَي 2011 و2012 في عداد المفقودين.
وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تعرّض 57% من المستشفيات السورية لأضرار بدرجات متفاوتة خلال الحرب، وخرج 37% منها عن الخدمة بالكامل. وبلغ حجم التدمير مستويات كارثية في بعض المناطق:
أسفرت الحرب عن موجة هجرة غير مسبوقة للكوادر الطبية السورية، حيث غادر ما يُقدّر بنحو 70% من إجمالي العاملين الصحيين البلاد، وهو ما يُعدّ من أعلى معدلات هجرة الكفاءات الطبية في التاريخ الحديث. وتشير التقديرات إلى أن نحو 15,000 طبيب — أي ما يعادل نصف الأطباء المسجلين قبل الحرب — هاجروا إلى الخارج بحثاً عن الأمان أو فراراً من الملاحقة الأمنية.
وقد توزّع الأطباء السوريون المهاجرون على دول عدة، مع تركّز ملحوظ في ألمانيا وتركيا والأردن ودول الخليج العربي. وأصبح كثير منهم يمارسون مهنة الطب في بلدان اللجوء بعد اجتيازهم امتحانات المعادلة والتراخيص المحلية.
أدّت هجرة الأطباء إلى تفاوتات حادة في التوزيع الجغرافي للكوادر الطبية داخل سوريا:
بعد ثمانية عشر عاماً من إعلان القضاء على شلل الأطفال في سوريا (1995)، عاد المرض ليظهر مجدداً في منتصف عام 2013 نتيجة انهيار برامج التطعيم وتدفق سلالات فيروسية من باكستان. وسُجّلت 36 إصابة مؤكدة بشلل الأطفال في سوريا واثنتان في العراق خلال الفترة 2013-2014.
كان السبب الرئيسي في عودة المرض انخفاض نسبة التغطية باللقاح الفموي للأطفال من 83% عام 2010 إلى ما بين 47% و52% خلال الفترة 2012-2014، نتيجة تدمير المرافق الصحية وتشريد السكان وانعدام الوصول إلى المناطق المحاصرة.
وقد استدعى هذا الوباء استجابة دولية واسعة النطاق بقيادة منظمة الصحة العالمية واليونيسف ومراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC). ونُفّذت أكثر من 70 حملة تطعيم جماعية خلال الفترة من تشرين الأول/أكتوبر 2013 إلى كانون الأول/ديسمبر 2015، استهدفت نحو 27 مليون طفل دون سن الخامسة في ثماني دول في المنطقة. واعتمدت الاستراتيجية مقاربات متعددة شملت نقاط التطعيم الثابتة في المرافق الصحية، والزيارات المنزلية، ونقاط العبور، والفرق المتنقلة للوصول إلى المناطق النائية والمحاصرة. ونجحت هذه الجهود في وقف انتقال الفيروس في غضون ستة أشهر.
أعلنت وزارة الصحة السورية في 10 أيلول/سبتمبر 2022 تفشّي وباء الكوليرا لأول مرة منذ عقود، في سياق تدهور البنية التحتية للمياه والصرف الصحي جراء الحرب. ومنذ 25 آب/أغسطس 2022 وحتى 2 أيلول/سبتمبر 2023، سُجّلت 189,374 حالة مشتبهاً بها في جميع المحافظات السورية الأربع عشرة، مع 105 حالات وفاة بمعدل إماتة بلغ 0.06%.
توزّعت الإصابات جغرافياً بشكل متفاوت:
وكان 54% من الحالات المشتبه بها أطفالاً دون سن الخامسة، مما يعكس هشاشة هذه الفئة العمرية أمام الأمراض المنقولة بالمياه. وأثّر زلزال شباط/فبراير 2023 سلباً في جهود الاستجابة للكوليرا، إذ دُمّرت البنية التحتية الهشّة للمياه والصرف الصحي في مناطق واسعة، وتكدّس النازحون في مراكز إيواء مكتظة.
واجهت سوريا جائحة كوفيد-19 بقدرات محدودة للغاية، حيث لم يتوفر في البلاد سوى 10 مختبرات قادرة على إجراء فحوصات الكشف عن الفيروس. وأدى تدمير البنية التحتية الصحية وشحّ الموارد إلى تقييد القدرة على الفحص والتتبع والعزل، مما يُرجّح أن تكون الأرقام الرسمية للإصابات والوفيات أقل بكثير من الواقع الفعلي.
تُعدّ أزمة الصحة النفسية في سوريا من أخطر التبعات الصحية للحرب وأكثرها استمراراً. فوفقاً لمنظمة الصحة العالمية، يعاني شخص من كل عشرة أشخاص في سوريا من اضطراب نفسي خفيف إلى متوسط، فيما يُعاني شخص من كل ثلاثين من اضطرابات أشد حدة تؤثر بشكل معوّق في حياتهم اليومية.
يُظهر الأثر النفسي للحرب على الأطفال أبعاداً مُفزعة:
تشمل الاضطرابات النفسية الأكثر شيوعاً بين السوريين المتأثرين بالنزاع: اضطراب ما بعد الصدمة، والاكتئاب، والقلق، ومتلازمة انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، وتزايد السلوكيات الانتحارية. وتُسهم عوامل عدة في تفاقم هذه الاضطرابات، أبرزها التهجير المتكرر، والتعرض المباشر للعنف، وفقدان ذوي القربى، وتدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية.
يبلغ تمويل قطاع الصحة النفسية 10.5% فقط من الاحتياجات الفعلية، مما يعني أن الغالبية العظمى من المحتاجين لا يحصلون على أي شكل من أشكال الدعم النفسي أو العلاج المتخصص. وقد نجحت اليونيسف في الوصول إلى نحو 560,000 طفل بأنشطة الدعم النفسي والاجتماعي عبر أنحاء سوريا، إلا أن هذا الرقم يبقى متواضعاً مقارنة بحجم الأزمة.
تتصدّر منظمة الصحة العالمية جهود الاستجابة الصحية الإنسانية في سوريا. وفي نداء الطوارئ الصحية لعام 2024، قدّرت المنظمة أن 15.8 مليون شخص بحاجة إلى مساعدة صحية عاجلة في عموم سوريا. وطلبت المنظمة 141.5 مليون دولار لتمويل عملياتها، إلا أن فجوة التمويل بلغت 81%، مما يعكس تراجعاً حاداً في الاهتمام والتمويل الدوليين.
وتدعم المنظمة تشغيل المرافق الصحية وتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية وإجراء حملات التطعيم والترصد الوبائي في مختلف مناطق السيطرة.
تُعدّ منظمة أطباء بلا حدود من أبرز المنظمات الطبية العاملة في سوريا. وبعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، تمكّنت فرق المنظمة من الوصول إلى مناطق كانت محظورة عليها لأكثر من عقد. وبحلول عام 2025، وسّعت المنظمة حضورها ليشمل 11 من أصل 14 محافظة سورية.
تدير المنظمة مستشفى متخصصاً لعلاج الحروق وتشارك في إدارة مستشفى آخر مع مديرية الصحة في إدلب، فضلاً عن دعم أربعة مستشفيات أخرى في مجالات الطوارئ ورعاية الأمومة وعلاج سوء التغذية. وفي عام 2024، دعمت فرق المنظمة ستة مستشفيات بخدمات تشمل الرعاية النسائية ورعاية الأطفال والتطعيم والجراحة والدعم النفسي وعلاج الأمراض المزمنة. وفي عام 2025، وصلت العيادات المتنقلة التابعة للمنظمة إلى أكثر من 200,000 شخص.
تعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في سوريا على دعم المرافق الصحية وإعادة تأهيل البنية التحتية للمياه والصرف الصحي وزيارة المحتجزين. وفي استعراضها السنوي لعام 2024، أشارت اللجنة إلى استمرار الاحتياجات الصحية الهائلة في ظل تشظّي البلاد.
في تموز/يوليو 2014، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار 2165 الذي أذن بتسليم المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى المناطق المحاصرة في سوريا دون الحاجة إلى موافقة الحكومة السورية. وشكّل هذا القرار نقطة تحول في إيصال المساعدات الطبية إلى ملايين السوريين في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، وإن ظلت آلية التنفيذ موضع جدل سياسي في مجلس الأمن.
أدّى النزاع المسلح في سوريا إلى تفتيت البلاد إلى مناطق سيطرة متعددة، نتج عنها تشظّي النظام الصحي إلى ثلاث منظومات شبه مستقلة تعمل بآليات مختلفة:
احتفظت وزارة الصحة في دمشق بإدارة المرافق الصحية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، مع استمرار التمويل الحكومي — وإن تراجع بشكل كبير — وبقاء الهيكل الإداري التقليدي. غير أن هذه المنظومة عانت من نقص حاد في الموارد والكوادر بسبب العقوبات الاقتصادية وهجرة الأطباء وتدمير المرافق.
في شمال غربي سوريا، لا سيما محافظة إدلب والمناطق المحيطة، أُنشئت مديريات صحية بديلة تُديرها سلطات المعارضة، واعتمدت بشكل شبه كلي على التمويل الإنساني الدولي. وقد نجحت بعض هذه المرافق في تقديم خدمات صحية مقبولة بدعم من منظمات دولية، إلا أنها ظلت معرّضة باستمرار للقصف وتهديد الإغلاق بسبب نقص التمويل.
في مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا (شمال شرقي البلاد)، أنشأت الإدارة الذاتية الكردية منظومة صحية خاصة بها، تمكّنت من الحفاظ على حد أدنى من الخدمات في ظروف هشّة. وعانت هذه المنظومة من نقص حاد في الكوادر المتخصصة والمعدات الطبية المتقدمة.
أشارت الدراسات الأكاديمية (Health Research Policy and Systems, 2025) إلى أن 43% من المستشفيات و55-63% من مرافق الرعاية الأولية إما تعمل جزئياً أو متوقفة عن العمل. وبعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، تراجع التشظّي الجغرافي بشكل ملحوظ، وبحلول حزيران/يونيو 2025 لم تبقَ سوى منطقة شمال شرقي سوريا تحت إدارة ذاتية مستقلة، فيما بقي قطاع من الشريط الحدودي السوري-التركي تحت السيطرة التركية.
أحدث سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 تحولاً جذرياً في المشهد الصحي السوري. فبعد أكثر من ثلاثة عشر عاماً من النزاع، باتت الحكومة الجديدة تواجه تحديات هائلة في إعادة بناء نظام صحي مدمّر:
وقد تمكّنت المنظمات الإنسانية — لا سيما أطباء بلا حدود — من الوصول إلى مناطق كانت محظورة عليها لعقد كامل، غير أن خطة الاستجابة الإنسانية لم تحصل سوى على 29% من تمويلها المطلوب بحلول كانون الأول/ديسمبر 2025.
في خطوة تاريخية نحو إعادة بناء المنظومة الصحية، شارك وزير الصحة مصعب العلي ووزير المالية محمد يسر بارنية في قمة التغطية الصحية الشاملة التي استضافتها طوكيو في كانون الأول/ديسمبر 2025 بالتعاون بين الحكومة اليابانية ومنظمة الصحة العالمية ومجموعة البنك الدولي.
وقدّمت سوريا في هذه القمة ميثاقاً صحياً وطنياً يتضمن خارطة طريق طموحة لتحقيق التغطية الصحية الشاملة بنسبة 70% بحلول عام 2030. وتشمل محاور الخطة:
يواجه مسار إعادة بناء النظام الصحي السوري تحديات جسيمة، أبرزها:
منظمة الصحة العالمية (WHO)، نداء الطوارئ الصحية — سوريا بأكملها 2024، جنيف، 2024. https://cdn.who.int/media/docs/default-source/documents/emergencies/2025-appeals/2025-hea-whole-of-syria.pdf
منظمة الصحة العالمية — المكتب الإقليمي لشرق المتوسط (WHO EMRO)، إعادة بناء النظام الصحي في سوريا. https://www.emro.who.int/syria/news/towards-universal-health-coverage-syria-develops-strategy-for-primary-health-care.html
البنك الدولي، الميثاق الصحي الوطني — سوريا، طوكيو، كانون الأول/ديسمبر 2025. https://thedocs.worldbank.org/en/doc/0273f33ab6ee48c5d842108b9b55c789-0140022025/related/2025-HealthCompacts-SYRIA.pdf
Physicians for Human Rights (PHR)، خريطة الهجمات على الرعاية الصحية في سوريا، 2024. https://phr.org/our-work/resources/a-map-of-attacks-on-health-care-in-syria/
Physicians for Human Rights (PHR)، Doctors in the Crosshairs: Four Years of Attacks on Health Care in Syria، 2015. https://phr.org/our-work/resources/doctors-in-the-crosshairs-four-years-of-attacks-on-health-care-in-syria/
أطباء بلا حدود (MSF)، الجراح الخفية (Invisible Wounds). https://www.doctorswithoutborders.org/what-we-do/where-we-work/syria
Abbara, A. et al.، An assessment of the health system in Syria: a scoping review، المجلة الدولية لأنظمة الصحة، 2013. PMC 3697421.
Health Research Policy and Systems، The health system in Syria (2000–2024): assembling the pieces of a fragmented system — A scoping review، 2025. https://health-policy-systems.biomedcentral.com/articles/10.1186/s12961-025-01352-6
The Lancet، Syria’s health crisis transition، 2025.
Longwoods، Effect of Conflict on Syria’s Health System.
مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، Response to a Large Polio Outbreak in a Setting of Conflict — Middle East, 2013–2015، MMWR، 2017. https://www.cdc.gov/mmwr/volumes/66/wr/mm6608a6.htm
PMC 10372181، The cholera outbreak in Syria: a call for urgent actions، 2023.
PMC 11538769، Post-traumatic stress disorder in youth exposed to the Syrian conflict: A systematic review and meta-analysis، 2024.
Ekzayez, A. (Chatham House)، Attacks on healthcare in Syria: Implications for global health security، 2021.
اللجنة الدولية للصليب الأحمر (ICRC)، Syria Year in Review 2024.
اليونيسف (UNICEF)، بعد 13 عاماً من النزاع في سوريا: أطفال أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى مساعدة إنسانية، 2024. https://www.unicef.org/press-releases/after-13-years-conflict-syria-more-children-ever-need-humanitarian-assistance-and
مجلس الأمن الدولي، القرار 2165 (2014) — بشأن إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود إلى سوريا.
Euro-Med Monitor، Syria’s healthcare system nears collapse amid worsening conditions and reduced foreign aid، 2024. https://euromedmonitor.org/en/article/6797
Journal of the British Islamic Medical Association (JBIMA)، The Ottoman Medical School of Damascus and its Effect on Teaching Medicine in Syria. https://www.jbima.com/article/the-ottoman-medical-school-of-damascus-and-its-effect-on-teaching-medicine-in-syria/
PMC 3018990، Pharmaceutical Industry in Syria. https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC3018990/