حكم بشار الأسد سوريا من تموز/يوليو عام 2000 حتى اندلاع الثورة السورية في آذار/مارس 2011، في حقبة امتدت أحد عشر عاماً حملت في طيّاتها وعوداً بالإصلاح والانفتاح لم يتحقق منها إلا النزر اليسير. ورث بشار الحكم عن أبيه حافظ الأسد عبر تعديل دستوري أُنجز في ساعات معدودة، ليستهلّ عهده بخطاب أوحى بالتغيير، غير أن البنية الأمنية والاستبدادية الموروثة ظلّت راسخة، بل تعمّقت في مجالات عدة. تتناول هذه المقالة بالتفصيل مسار تلك الحقبة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحقوقياً، وصولاً إلى الأسباب العميقة التي أفضت إلى انتفاضة الشعب السوري.
توفي الرئيس حافظ الأسد في العاشر من حزيران/يونيو عام 2000 بعد ثلاثين عاماً من الحكم المطلق. لم تكن خلافة بشار مفاجأة؛ فمنذ مقتل شقيقه الأكبر باسل الأسد في حادث سيارة عام 1994، استُدعي بشار — الذي كان يدرس طب العيون في لندن — إلى دمشق ليُعدَّ وريثاً للسلطة. على مدى ستّ سنوات، جرى تأهيله عسكرياً وسياسياً: التحق بالكلية الحربية، وتولّى ملف لبنان، وأُسندت إليه حملة «مكافحة الفساد» التي استهدفت خصوم والده أكثر مما استهدفت الفساد ذاته.
كان الدستور السوري الصادر عام 1973 يشترط ألّا يقلّ عمر المرشح لرئاسة الجمهورية عن أربعين عاماً، وكان بشار في الرابعة والثلاثين من عمره حينذاك. وفي غضون ساعات من إعلان وفاة حافظ، انعقد مجلس الشعب السوري في جلسة استثنائية وعدّل المادة 83 من الدستور لخفض السن الأدنى من 40 إلى 34 عاماً — أي عمر بشار تحديداً. وصف مركز كارنيغي للشرق الأوسط هذا الإجراء بأنه «العصا السحرية» التي حوّل بها نظام الأسد الدستور إلى أداة لتكريس السلطة بدلاً من تقييدها. جرت الموافقة على التعديل بالإجماع في جلسة لم تتجاوز دقائق معدودة، في مشهد كشف عن الطبيعة الشكلية للمؤسسات التشريعية في سوريا.
في العاشر من تموز/يوليو 2000، أُجري استفتاء شعبي كان بشار فيه المرشح الوحيد، وأُعلنت نتيجته بنسبة تأييد بلغت 97.29%، وهي نتيجة لا تختلف جوهرياً عن نتائج استفتاءات والده التي كانت تتجاوز 99%. في السابع عشر من تموز/يوليو 2000، ألقى بشار خطاب القَسَم أمام مجلس الشعب، تضمّن وعوداً بالإصلاح والتحديث و«الانفتاح على الرأي الآخر» و«تطوير الديمقراطية». استُقبل الخطاب بترحيب حذر من المثقفين والناشطين السوريين، وفتح الباب لما عُرف لاحقاً بـ«ربيع دمشق».
شهدت الأشهر الأولى من حكم بشار انفراجاً نسبياً غير مسبوق في الحياة السياسية السورية. تأسّست منتديات ثقافية وسياسية في المنازل الخاصة — وصل عددها إلى نحو 170 منتدى — ناقش فيها مثقفون وناشطون قضايا حقوق الإنسان والتعددية وحرية الصحافة والحريات الأكاديمية وبناء المجتمع المدني. كان أبرز هذه المنتديات «منتدى رياض سيف» الذي انعقد مساء كل أربعاء في منزل النائب والصناعي رياض سيف، وضمّ طيفاً واسعاً من المثقفين والمعارضين، و«منتدى جمال الأتاسي للحوار الوطني» الذي استمرّ لفترة أطول من غيره.
في السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2000، نشرت صحيفة «الحياة» اللندنية بياناً وقّعه 99 مثقفاً وفناناً سورياً بارزاً، طالبوا فيه بإلغاء حالة الطوارئ المفروضة منذ عام 1963، وإلغاء الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية، والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين، والسماح بعودة المنفيين السياسيين دون ملاحقة، وحق تشكيل الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية. مثّل هذا البيان أول تحدٍّ علني منظّم للسلطة منذ عقود.
بعد أشهر قليلة، صدر «بيان الألف» الذي وقّعه أكثر من ألف مواطن سوري، وذهب أبعد من سلفه بالمطالبة صراحةً بالتحول الديمقراطي وإنهاء هيمنة حزب البعث على الحياة السياسية. أثار هذا البيان قلق الحرس القديم في النظام الذي رأى فيه تهديداً وجودياً.
لم يدم «ربيع دمشق» طويلاً. ففي آب/أغسطس 2001، شنّت أجهزة الأمن حملة اعتقالات واسعة طالت أبرز رموز الحراك المدني. اعتُقل رياض سيف ومعمون الحمصي — وكلاهما عضوان في مجلس الشعب — ووُجّهت إليهما تهم «محاولة تغيير الدستور بوسائل غير مشروعة» و«إثارة الفتنة الطائفية والعرقية»، وصدر بحقّ كلّ منهما حكم بالسجن خمس سنوات من المحكمة الجنائية في دمشق. أُغلقت المنتديات واحداً تلو الآخر، وأُعيد فرض القيود الصارمة على حرية التعبير والتجمّع. كشف هذا القمع السريع أن وعود الإصلاح لم تكن سوى محاولة لتثبيت السلطة الجديدة وامتصاص الضغوط، وأن البنية الأمنية العميقة للنظام لم تتغيّر.
عند تولّي بشار الأسد السلطة، كان الاقتصاد السوري يعاني من ركود عميق: إنتاجية منخفضة، ونموّ سكاني مرتفع، وقطاع عام متضخّم وغير فعّال. شرع النظام في سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية التي بدت في ظاهرها تحديثية، لكنها صُمّمت في جوهرها لخدمة شبكة من المقرّبين والمنتفعين.
في عام 2001، صدر المرسوم رقم 28 الذي سمح بتأسيس مصارف خاصة لأول مرة في سوريا منذ تأميمات عام 1963. تبع ذلك السماح بإنشاء شركات تأمين خاصة ومنح تراخيص للبنوك الأجنبية في كانون الأول/ديسمبر 2002. غير أن هذه الإصلاحات لم تُفضِ إلى سوق حرة تنافسية، بل أتاحت للنخبة المقرّبة من النظام الاستحواذ على القطاعات المحرَّرة حديثاً.
تجسّدت الرأسمالية المحسوبية في شخص رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد، الذي بنى إمبراطورية اقتصادية واسعة شملت الاتصالات والمصارف والعقارات والاستيراد والتصدير والتجزئة والسياحة. كان مخلوف المالك الفعلي لشركة «سيريتل» للهاتف المحمول التي تحوّلت إلى مؤسسة بمليارات الدولارات، وتمتّعت بوضع احتكاري شبه كامل في سوق الاتصالات السورية.
وفقاً لصحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية، كان يُعتقد أن مخلوف يسيطر على ما يصل إلى 60% من الاقتصاد السوري من خلال شبكة مصالحه التجارية المترامية. لم يكن هذا مجرد ثراء فاحش، بل كان نظاماً متكاملاً من المحسوبية حيث يستفيد أقارب الرئيس وأصدقاؤه اقتصادياً من علاقاتهم بالسلطة، فيما يُحرم المواطنون العاديون من فرص التنافس العادل. في شباط/فبراير 2008، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على رامي مخلوف بموجب الأمر التنفيذي 13460، واصفةً إياه بأنه يستفيد من الفساد في النظام السوري ويُسهم فيه.
في عام 2005، انعقد المؤتمر القُطري العاشر لحزب البعث، الذي أعلن عن التحوّل نحو «اقتصاد السوق الاجتماعي» — وهو مصطلح مستوحى من النموذج الألماني. أقرّت الخطة الخمسية العاشرة (2006–2010) فتح المزيد من القطاعات أمام الاستثمار الخاص، بما فيها المصارف والتأمين والكهرباء التي كانت حكراً على الدولة منذ عام 1963. غير أن التطبيق الفعلي ظلّ أسير شبكات المحسوبية، إذ لم يستفد من التحرير إلا المقرّبون من دائرة السلطة.
من الإصلاحات التي أُقرّت في هذه الحقبة إصدار المرسوم التشريعي رقم 36 لعام 2001 الذي سمح بإنشاء جامعات خاصة. حتى ذلك العام، لم يكن في سوريا سوى أربع جامعات حكومية. بحلول عام 2011، حصلت عشرون جامعة خاصة على تراخيص، وكانت ستّ عشرة منها تعمل فعلياً، إضافة إلى إنشاء الجامعة الافتراضية السورية عام 2002 وجامعة حكومية جديدة في دير الزور عام 2007. وإن كان هذا التوسّع إيجابياً من حيث المبدأ، فإن كثيراً من الجامعات الخاصة كانت مملوكة لرجال أعمال مرتبطين بالنظام، وأقساطها الباهظة جعلتها بعيدة المنال عن الطبقات الفقيرة والمتوسطة.
رغم خطاب التحديث الاقتصادي، بقيت مؤشرات الفقر مقلقة. وفقاً لتقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، كان 11.4% من الأسر السورية يعيشون في فقر مدقع في الفترة 2004–2005، بينما كان 30% من السكان يعيشون تحت خط الفقر الأعلى. وبحلول عامي 2006–2007، ارتفعت هذه النسب إلى 12.3% في الفقر المدقع و33.6% تحت خط الفقر العام. كان هذا التدهور نتيجة مباشرة لسياسات التحرير التي رفعت الدعم عن السلع الأساسية دون توفير شبكة حماية اجتماعية بديلة، فدفع الفقراء ثمن «الإصلاح» فيما جنى المقرّبون من السلطة أرباحه.
عانى الأكراد السوريون — الذين يشكّلون ما بين 8% و10% من سكان سوريا — من تمييز منهجي متعدد الأوجه. كان أخطر أشكال هذا التمييز حرمان نحو 300,000 كردي من الجنسية السورية منذ الإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة عام 1962، والذي جُرّد بموجبه عشرات الآلاف من الأكراد من جنسيتهم بذريعة أنهم «أجانب» تسلّلوا من تركيا. حُرم هؤلاء «المكتومون» و«الأجانب» من حقوق أساسية كالتملّك والتوظيف الحكومي والسفر والتعليم الجامعي والتسجيل في السجل المدني. لم يتّخذ نظام بشار الأسد أي خطوة جدية لمعالجة هذا الملف طوال عقد كامل، رغم الوعود المتكررة.
في الثاني عشر من آذار/مارس 2004، اندلعت أحداث عنيفة في مدينة القامشلي شمال شرق سوريا، بدأت إثر مباراة كرة قدم بين فريق محلي كردي وفريق عربي قادم من دير الزور تحوّلت إلى مواجهات ذات طابع قومي. سرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى مدن كردية أخرى كعامودا والحسكة وعفرين وحيّ ركن الدين في دمشق وحيّ الأشرفية في حلب. ردّ النظام بعنف مفرط: نشر آلاف الجنود المدعومين بالدبابات والمروحيات، وأطلقت قوات الأمن النار على المتظاهرين.
أسفرت المواجهات عن مقتل ما بين 30 و43 كردياً وفقاً لمصادر مختلفة (المصادر الكردية تتحدث عن 40 قتيلاً، بينما أعلنت المصادر الرسمية عن 25 فقط)، وإصابة أكثر من ألف شخص، واعتقال أكثر من 2,000 كردي. طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش النظام السوري بمعالجة «المظالم الكامنة وراء الاضطرابات الكردية». شكّلت هذه الأحداث أول انتفاضة شعبية واسعة في عهد بشار الأسد، وكانت نذيراً بما سيأتي بعد سبع سنوات.
شكّل لبنان أبرز ملفات السياسة الخارجية السورية وأكثرها حساسية. حافظ النظام على وجود عسكري واستخباراتي كثيف في لبنان منذ عام 1976، بلغ نحو 14,000 جندي و4,000 عنصر استخبارات، مع هيمنة سياسية شبه مطلقة على القرار اللبناني. في أيلول/سبتمبر 2004، دفعت سوريا مجلس النواب اللبناني إلى تمديد ولاية الرئيس إميل لحود — الموالي لدمشق — في خطوة أثارت غضباً دولياً أفضى إلى صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 الذي طالب بانسحاب القوات الأجنبية من لبنان ونزع سلاح الميليشيات.
في الرابع عشر من شباط/فبراير 2005، اغتيل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري بتفجير ضخم استُخدم فيه ما يعادل ألف كيلوغرام من المتفجرات قرب فندق سان جورج في بيروت، ما أسفر عن مقتله مع 21 شخصاً آخرين. وُجّهت أصابع الاتهام فوراً إلى النظام السوري وأجهزته الأمنية في لبنان، وأنشأ مجلس الأمن لجنة تحقيق دولية مستقلة (لاحقاً المحكمة الدولية الخاصة بلبنان). فجّر الاغتيال «ثورة الأرز» — أكبر حركة احتجاجية في تاريخ لبنان الحديث — حيث تظاهر أكثر من مليون لبناني في الرابع عشر من آذار/مارس 2005 مطالبين بكشف الحقيقة وانسحاب القوات السورية.
تحت الضغط الدولي والشعبي اللبناني الهائل، اضطر النظام السوري إلى سحب قواته من لبنان. في السادس والعشرين من نيسان/أبريل 2005، أكّدت الأمم المتحدة ووكالات الأنباء الدولية عبور آخر الجنود وعناصر الاستخبارات السورية الحدود، منهيةً بذلك احتلالاً عسكرياً دام تسعة وعشرين عاماً. مثّل هذا الانسحاب أكبر هزيمة دبلوماسية لنظام بشار الأسد، وفتح باباً واسعاً للعزلة الدولية.
في تشرين الأول/أكتوبر 2005، أصدرت مجموعة واسعة من أطياف المعارضة السورية — من ليبراليين وإسلاميين وقوميين وأكراد — وثيقة «إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي»، التي صاغ مسودّتها الكاتب ميشيل كيلو. طالب الإعلان بتحوّل ديمقراطي سلمي وتداول للسلطة وإنهاء هيمنة الحزب الواحد. ردّ النظام بحملة اعتقالات واسعة طالت الموقّعين: اعتُقل ميشيل كيلو في أيار/مايو 2006 وحُكم عليه بثلاث سنوات سجناً بتهمة «بث أنباء كاذبة وإضعاف الشعور الوطني وإثارة النعرات الطائفية»، كما اعتُقل المحامي الحقوقي أنور البنّي وحُكم عليه بخمس سنوات سجناً بتهمة «نشر معلومات كاذبة تضرّ بالدولة». وُصفت هذه الحملة بأنها الأسوأ منذ اعتقالات ربيع دمشق عام 2001.
بين عامي 2005 و2008، عاش النظام السوري عزلة دولية شبه كاملة. صدرت عقوبات أمريكية متتالية بدءاً من الأمر التنفيذي 13338 في أيار/مايو 2004 الصادر بموجب «قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان»، الذي أعلن حالة الطوارئ الوطنية بسبب دعم سوريا للإرهاب واحتلالها لبنان وسعيها لأسلحة الدمار الشامل. أُضيف إليها الأمر التنفيذي 13460 عام 2008 الذي وسّع نطاق العقوبات.
غير أن المشهد الدبلوماسي تبدّل جزئياً عام 2008، حين سعى الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي إلى إعادة إدماج سوريا في المنظومة الدولية في إطار «الاتحاد من أجل المتوسط». زار بشار الأسد باريس في تموز/يوليو 2008 واستُقبل استقبالاً رسمياً في قصر الإليزيه، ثم ردّ ساركوزي بزيارة دمشق في أيلول/سبتمبر 2008 ليكون أول رئيس غربي يزور العاصمة السورية منذ ست سنوات. أثمرت هذه الانفراجة عن اتفاق تاريخي بين سوريا ولبنان على إقامة علاقات دبلوماسية وفتح سفارات — للمرة الأولى منذ استقلال البلدين عن الانتداب الفرنسي.
على الصعيد الإقليمي، عمّق بشار الأسد تحالف أبيه الاستراتيجي مع إيران وحزب الله اللبناني. شكّل هذا المحور — الذي وُصف بـ«محور المقاومة» — ركيزة السياسة الخارجية السورية، حيث وفّرت إيران الدعم الاقتصادي والعسكري، وشكّل حزب الله ذراعاً إقليمية مؤثرة. خلال حرب تموز/يوليو 2006 بين إسرائيل وحزب الله، كانت سوريا الممرّ اللوجستي الأساسي للإمداد الإيراني. هذا التحالف حمى النظام جزئياً من الضغوط الدولية، لكنه زاد من عزلته في المحيط العربي وأبعده عن المعسكر الغربي.
في السادس عشر من تموز/يوليو 2010 — بمناسبة مرور عشر سنوات على حكم بشار — أصدرت منظمة هيومن رايتس ووتش تقريراً بعنوان «عقد ضائع: حقوق الإنسان في سوريا خلال السنوات العشر الأولى من حكم بشار الأسد». جاء التقرير في 35 صفحة وراجع سجلّ حقوق الإنسان في خمسة محاور رئيسية: قمع النشاط السياسي والحقوقي، والقيود المفروضة على حرية التعبير، والتعذيب الممنهج، ومعاملة الأكراد، وإرث الاختفاء القسري. خلص التقرير إلى أن عقد بشار كان بالفعل «عقداً ضائعاً» على صعيد حقوق الإنسان، وأن الوعود بالإصلاح تبخّرت بالكامل.
استند النظام إلى أربعة أجهزة استخبارات رئيسية — تُعرف مجتمعةً بالمخابرات — شكّلت العمود الفقري لمنظومة القمع:
عمل كل جهاز من هذه الأجهزة باستقلالية عن الآخر، مع تداخل في الصلاحيات وتنافس على النفوذ، ما أوجد شبكة رقابة متعددة الطبقات لا يكاد يفلت منها أحد. لكل جهاز فروع مركزية في دمشق وفروع إقليمية ومحلية منتشرة في أنحاء البلاد. وثّقت هيومن رايتس ووتش وجود عشرات مراكز الاحتجاز والتعذيب التابعة لهذه الأجهزة.
يُعدّ سجن صيدنايا العسكري — الواقع شمال دمشق — أحد أكثر السجون رعباً في العالم. في الخامس من تموز/يوليو 2008، اندلع تمرّد داخل السجن ردّ عليه حراس السجن والشرطة العسكرية بإطلاق النار على السجناء، ما أسفر عن مقتل ما لا يقلّ عن 25 معتقلاً. فرض النظام تعتيماً إعلامياً كاملاً على الحادثة، ولم يكشف مصير 42 معتقلاً على الأقل يُعتقد أن تسعة منهم لقوا حتفهم. ظلّ صيدنايا حتى سقوط النظام مكاناً للاختفاء القسري والتعذيب الممنهج والإعدام خارج نطاق القضاء.
ورث نظام بشار ملفاً ثقيلاً من الاختفاء القسري يعود إلى عهد أبيه. ظلّ مصير آلاف المعتقلين الذين اختفوا في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته مجهولاً، ولم يُقدَّم أي كشف حساب أو اعتراف بمصيرهم. أُضيف إليهم معتقلون جدد اختفوا في فترة حكم بشار، ما جعل الاختفاء القسري سمة بنيوية في منظومة القمع السورية وليس مجرد تجاوزات فردية.
في مجال حرية التعبير الرقمي، صنّفت «مبادرة الإنترنت المفتوح» (OpenNet Initiative) سوريا عام 2009 ضمن الدول التي تمارس رقابة «واسعة الانتشار» في المجالين السياسي والتقني، و«انتقائية» في المجالين الاجتماعي والأمني. في تشرين الثاني/نوفمبر 2007، حجبت السلطات موقع فيسبوك بحجة أنه يروّج لهجمات على السلطات، وكذلك مواقع يوتيوب وبلوغسبوت والعديد من المواقع الإخبارية والحقوقية وصفحات المعارضة والمواقع الكردية.
في عام 2007 أيضاً، أصدرت الحكومة قانوناً يُلزم مقاهي الإنترنت بتسجيل جميع التعليقات التي ينشرها المستخدمون في المنتديات، فضلاً عن تتبّع عادات التصفّح. وفي شباط/فبراير 2011 — أي قبل أسابيع من اندلاع الثورة — رفعت السلطات الحجب عن فيسبوك ويوتيوب، لكن كثيراً من المراقبين رأوا أن الهدف لم يكن الانفتاح بل تعزيز قدرات المراقبة: سرعان ما بدأت تتواتر قصص عن اعتقال مواطنين ومطالبتهم بكلمات مرور حساباتهم على فيسبوك، ورصد شهادات أمان مزوّرة (SSL) تُستخدم للتجسس على المستخدمين.
بدءاً من شتاء 2006–2007، ضرب سوريا والهلال الخصيب أشدّ موجة جفاف سُجّلت في التاريخ المناخي الحديث للمنطقة، واستمرت ثلاث سنوات متتالية (2007–2010). أظهرت دراسة بارزة نشرها كولين كيلي وزملاؤه في مجلة «وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم» (PNAS) عام 2015 أن التغيّر المناخي الناجم عن النشاط البشري ضاعف احتمال حدوث جفاف بهذه الشدة والمدة بمقدار مرتين إلى ثلاث مرات مقارنةً بالتقلّبات الطبيعية وحدها. دمّر الجفاف المحاصيل الزراعية في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور وأجزاء من حمص وحماة، ونفقت أعداد كبيرة من الماشية.
أدّى الجفاف الكارثي إلى نزوح ما يصل إلى 1.5 مليون شخص من المناطق الريفية إلى أطراف المدن الكبرى — دمشق وحلب وحمص ودرعا واللاذقية. تجمّع هؤلاء النازحون في أحزمة بؤس حول المدن، يفتقرون إلى السكن اللائق والمياه النظيفة والخدمات الصحية والتعليمية وفرص العمل. فشلت الحكومة فشلاً ذريعاً في التعامل مع هذه الأزمة الإنسانية، ولم تُقدّم سوى مساعدات رمزية. زادت هذه الهجرة من الضغط على البنية التحتية الحضرية الهشّة أصلاً، ورفعت معدلات البطالة والفقر والجريمة في ضواحي المدن.
كانت سوريا عشية الثورة تعاني مما يمكن وصفه بـ«القنبلة الديموغرافية الموقوتة»: نحو 65% من السكان دون سن الخامسة والثلاثين، وكان نحو 200,000 شاب يدخلون سوق العمل سنوياً في اقتصاد عاجز عن استيعابهم. بلغت معدلات البطالة الرسمية نحو 10%، لكن التقديرات المستقلة تشير إلى أنها كانت أقرب إلى 20–25%، وأعلى بكثير بين الشباب في المناطق الريفية والأحياء الطرفية. هذا المزيج من الشباب والبطالة والإحباط وانعدام الأفق شكّل وقوداً جاهزاً للاشتعال.
بحلول أواخر عام 2010، كانت سوريا تقف على فوّهة بركان. تراكمت عوامل الغضب الشعبي على مدى عقد كامل: قمع سياسي ممنهج وحرمان من أبسط الحريات، فساد مستشرٍ وثراء فاحش للمقرّبين مقابل فقر مدقع للأكثرية، جفاف كارثي وهجرة داخلية ضخمة أهملتها الحكومة، بطالة خانقة بين الشباب الذين يشكّلون ثلثي السكان، تمييز ممنهج ضد الأقليات القومية، جهاز أمني قمعي يبتلع أي صوت معارض، ووعود بالإصلاح أثبتت السنوات أنها لم تكن سوى سراب. كل عامل من هذه العوامل وحده كان كافياً لإشعال أزمة؛ اجتماعها معاً جعل الانفجار مسألة وقت.
في أواخر عام 2010 ومطلع 2011، اجتاحت العالم العربي موجة ثورية غير مسبوقة. في السابع عشر من كانون الأول/ديسمبر 2010، أضرم البائع التونسي محمد البوعزيزي النار في نفسه احتجاجاً على الظلم، فأشعل «ثورة الياسمين» التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي في كانون الثاني/يناير 2011. تبعتها ثورة الخامس والعشرين من يناير في مصر التي أسقطت حسني مبارك في شباط/فبراير 2011. تابع السوريون هذه الأحداث باهتمام بالغ وأمل متصاعد. بدا لكثيرين أن جدار الخوف بدأ يتصدّع، وأن التغيير ممكن.
في شباط/فبراير 2011، كتب مجموعة من الأطفال والمراهقين تتراوح أعمارهم بين 10 و15 عاماً عبارات على جدران مدرسة في مدينة درعا جنوب سوريا، مستلهمين شعارات الربيع العربي. كانت أبرز العبارات: «إجاك الدور يا دكتور» — في إشارة إلى بشار الأسد الذي درس طب العيون. في السادس من آذار/مارس 2011، اعتقلت أجهزة الأمن ما بين 12 و15 من هؤلاء الأطفال واحتجزتهم في فرع الأمن السياسي بإدارة عاطف نجيب — ابن خالة الرئيس بشار الأسد. تعرّض الأطفال للتعذيب الوحشي: الضرب المبرح، والحرق، وخلع الأظافر.
حين توجّه أهالي الأطفال إلى فرع الأمن للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم، أُهينوا وطُردوا. في الثامن عشر من آذار/مارس 2011، خرج أهالي درعا في مظاهرات غاضبة بعد صلاة الجمعة، مطالبين بالإفراج عن الأطفال وبالحرية ومحاربة الفساد. ردّت قوات الأمن بإطلاق الرصاص الحيّ على المتظاهرين، فسقط ثلاثة قتلى، ولحق بهم رابع في اليوم التالي. أشعلت هذه المجزرة شرارة الثورة السورية التي سرعان ما امتدت إلى مختلف أنحاء البلاد، في انتفاضة شعبية عارمة ضد عقود من القمع والاستبداد والفساد.
قال شهود عيان ومحللون: «لولا درعا، لما كانت هناك انتفاضة أوسع»، لكن الحقيقة أعمق من ذلك — فدرعا لم تكن إلا الشرارة التي أشعلت حريقاً كان الوقود متراكماً له على مدى عقود.
Human Rights Watch, A Wasted Decade: Human Rights in Syria during Bashar al-Asad’s First Ten Years in Power, تموز/يوليو 2010. متاح على: https://www.hrw.org/report/2010/07/16/wasted-decade/human-rights-syria-during-bashar-al-asads-first-ten-years-power
Colin P. Kelley et al., Climate Change in the Fertile Crescent and Implications of the Recent Syrian Drought, Proceedings of the National Academy of Sciences (PNAS), المجلد 112، العدد 11، آذار/مارس 2015. متاح على: https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.1421533112
Carnegie Endowment for International Peace, The Syrian Constitution: Assad’s Magic Wand, أيار/مايو 2014. متاح على: https://carnegieendowment.org/middle-east/diwan/2014/05/the-syrian-constitution-assads-magic-wand
Carnegie Middle East Center, The Damascus Spring, متاح على: https://carnegie-mec.org/publications/?fa=48516
UNDP Arab States, Poverty and Inequality in Syria (1997–2007)، متاح على: https://www.undp.org/arab-states/publications/poverty-and-inequality-syria-1997-2007
Human Rights Watch, Syria: Address Grievances Underlying Kurdish Unrest, آذار/مارس 2004. متاح على: https://www.hrw.org/news/2004/03/18/syria-address-grievances-underlying-kurdish-unrest
Human Rights Watch, Torture Archipelago: Arbitrary Detention, Torture, and Enforced Disappearance in Syria’s Underground Prisons Since March 2011, تموز/يوليو 2012. متاح على: https://www.hrw.org/node/256334
Bassam Haddad, Business Networks in Syria: The Political Economy of Authoritarian Resilience, Stanford University Press, 2011.
OpenNet Initiative, Internet Filtering in Syria, 2009. متاح على ضمن تقارير المبادرة.
Pulitzer Center, Syriatel’s Rami Makhlouf: Target of Syrian Protests، متاح على: https://pulitzercenter.org/reporting/syrians-protest-crony-capitalism
France 24, Syria Breaks Isolation as Assad Visits France, تموز/يوليو 2008. متاح على: https://www.france24.com/en/20080712-syria-breaks-isolation-assad-visits-france
U.S. Department of State, Syria Sanctions, متاح على: https://www.state.gov/syria-sanctions
CARA (Council for At-Risk Academics), The State of Higher Education in Syria Pre-2011، متاح على: https://www.cara.ngo/downloads/part-1-pre-2011-english.pdf
NBC News, The Syrian Teenager Who Sprayed Four Words on a Wall and Started an Uprising, كانون الأول/ديسمبر 2024. متاح على: https://www.nbcnews.com/news/world/syrian-teenager-sprayed-four-words-wall-started-uprising-rcna188357
Encyclopaedia Britannica, Bashar al-Assad, متاح على: https://www.britannica.com/biography/Bashar-al-Assad