تُعَدّ الحمّامات العامة في سوريا من أبرز المعالم المعمارية والاجتماعية التي تمتد جذورها إلى الحضارة اليونانية-الرومانية، ثم تطورت في ظل الحضارة الإسلامية لتغدو مؤسسة مجتمعية شاملة تتجاوز وظيفة الاستحمام إلى أبعاد دينية وتجارية واحتفالية عميقة. تحتضن مدينتا دمشق وحلب أعرق هذه الحمّامات وأشهرها، من حمّام نور الدين الشهيد الذي يعمل منذ ما يقارب تسعة قرون دون انقطاع، إلى حمّام يلبغا الناصري في حلب بمقرنصاته المملوكية الفريدة، وصولاً إلى عشرات الحمّامات التي شكّلت نسيجاً عمرانياً حيّاً عبر العصور الأموية والعباسية والأيوبية والمملوكية والعثمانية.
تمتد جذور ثقافة الحمّامات العامة في بلاد الشام إلى الحضارة اليونانية في القرن الخامس قبل الميلاد، غير أن الرومان هم الذين نشروا هذه الثقافة على نطاق واسع بعد ضمّهم المنطقة إلى إمبراطوريتهم. بنى الرومان منشآت حمّامية ضخمة ومتطورة هندسياً في مدن سوريا الرئيسية، واتّبعت هذه الحمّامات (المعروفة بالترماي Thermae) تصميماً محورياً صارماً يتضمّن تسلسلاً مكانياً محدداً: غرفة التجريد والانتظار (أبوديتيريوم Apodyterium)، ثم القاعة الباردة (فريجيداريوم Frigidarium)، فالقاعة الدافئة (تيبيداريوم Tepidarium)، وأخيراً القاعة الساخنة (كالداريوم Caldarium)، مع نظام تدفئة تحت أرضية متقن يُعرف بالهيبوكوست (Hypocaust) يعتمد على تمرير الهواء الساخن عبر قنوات تحت الأرضيات وفي الجدران.
تُوثّق الحفريات الأثرية وجود حمّامات رومانية بارزة في عدد من المواقع السورية:
بصرى (Bosra): تحتضن المدينة الأثرية ثلاثة حمّامات عامة رومانية على الأقل، أبرزها الحمّامات الجنوبية التي يُعتقد أنها شُيّدت في عهد الإمبراطور هادريان أو أنطونينوس بيوس في القرنين الثاني والثالث الميلاديين. تقع هذه الحمّامات في قلب المدينة القديمة، وكانت مراكز لإبرام الصفقات التجارية وتبادل المعلومات فضلاً عن دورها الترفيهي والصحي. وقد وُسِّعت في القرن الثالث الميلادي لتستوعب النمو السكاني، وزُيّنت جدرانها بألواح الرخام ولوحات جدارية، بينما غُطّيت أرضياتها بفسيفساء متقنة الصنع.
شهبا (Shahba): هي مسقط رأس الإمبراطور فيليب العربي (حكم 244-249 م)، الذي أمر ببناء حمّامات فيها وفق مخطط يضاهي الحمّامات الإمبراطورية الكبرى في روما. وقد لاحظ الباحثون أن حجم هذه الحمّامات كان ضخماً بشكل لا يتناسب مع حجم البلدة الصغيرة، مما يعكس طموح الإمبراطور في تحويل مسقط رأسه إلى مدينة إمبراطورية.
تدمر (Palmyra): يقع حمّام ديوكلتيانوس على يسار الشارع المحوري الكبير (الكارو)، وهو من أبرز معالم المدينة الأثرية التي وثّقتها بعثات أثرية متعددة.
سرجيلا (Serjilla): يعود حمّامها إلى أواخر القرن الخامس الميلادي، ويُمثّل نموذجاً بيزنطياً فريداً قُلب فيه المخطط الروماني التقليدي ليُهيمن عليه صالون استراحة كبير بدلاً من المحور المتعاقب المألوف.
أوّل ما شُيّد من حمّامات إسلامية كان في سوريا والأردن في عهد الخلافة الأموية (661-750 م). اتّخذ الخلفاء الأمويون من التقليد الروماني-البيزنطي أساساً معمارياً، لكنهم أجروا عليه تحويلات جوهرية تعكس القيم الإسلامية والذوق الجمالي الأموي. أبرز هذه الحمّامات المبكرة:
قصير عمرة (Quseir Amra) في الأردن: بناه الوليد بن يزيد (الخليفة الوليد الثاني لاحقاً) بين عامَي 723 و743 م، ويُعدّ من أقدم بقايا الحمّامات الإسلامية الباقية في العالم. يتميز بتصاوير جدارية فريدة بأسلوب روماني متأخر تُصوّر مشاهد صيد وحيوانات ورموزاً فلكية، وهي من أندر نماذج الفن الإسلامي المبكر. أدرجته اليونسكو في قائمة التراث العالمي.
قصر الحير الشرقي (Qasr al-Hayr al-Sharqi) في البادية السورية: مجمّع قصري أموي يضم مرافق استحمام متطورة.
السمات الأموية المميزة: أزال الأمويون قاعة البرودة (الفريجيداريوم) التي كانت حاضرة في الحمّامات الرومانية، واستبدلوا حوض الغمر الجماعي الروماني بأحواض صغيرة يُصَبّ منها الماء على الجسم، وذلك انسجاماً مع الفقه الإسلامي الذي يُحرّم الاغتسال في أحواض الماء الراكد الصغيرة بسبب خطر النجاسة. كما كبّروا غرف الاستقبال وصغّروا حجرات الاستحمام، وجعلوا المخططات أكثر تعقيداً وتنوعاً.
العصر العباسي (750-1258 م): توسّع بناء الحمّامات العامة في المدن الإسلامية لتصبح ركيزة أساسية في البنية التحتية العمرانية. وصف المؤرخ هلال الصابئ مدينة بغداد في ذروتها بأنها تحتضن عشرات الآلاف من الحمّامات، مما يعكس المكانة المحورية التي كانت تحتلها هذه المنشآت في الحضارة العباسية.
العصر الأيوبي (1171-1260 م): ازدهر بناء الحمّامات في دمشق وحلب في هذه الحقبة. كانت الحمّامات وثيقة الصلة بالمساجد والمدارس والمشافي، تشكّل معها منظومة وقفية متكاملة تموّل الخدمات الدينية والتعليمية. وبنت عائشة بنت صلاح الدين الأيوبي حمّام النحاسين الأول في حلب في القرن الثاني عشر الميلادي، في نموذج نادر لامرأة بانية حمّام عام.
العصر المملوكي (1260-1516 م): بلغ عدد حمّامات دمشق ذروته في هذا العصر؛ ففي منتصف القرن الثالث عشر وصل إلى 114 حمّاماً وفق إحصاء ابن شدّاد، بينما بلغ عددها في حلب 173 حمّاماً. استخدم المماليك تقنية المقرنص (التجويفات المتداخلة على شكل خلايا النحل) في تزيين أسقف الحمّامات ووظّفوها في تحسين الخصائص الصوتية والحرارية. وصف ابن الخطيب في كتابه «الدرّ المنتخب» حمّامَي يلبغا واشتقمر في حلب بقوله: «ليس بالمملكة ما يضاهيهم»، في دليل على فخامتهما الاستثنائية.
العصر العثماني (1516-1918 م): واصل العثمانيون دعم ثقافة الحمّامات وتوسيعها، وأضافوا طابعاً معمارياً مميزاً يمزج بين الموروث المحلي والأسلوب العثماني. يعود إلى هذا العصر قسم المشلح الفخم بإيواناته الست في حمّام نور الدين بدمشق، فضلاً عن حمّامات ضخمة في حلب كحمام النحاسين بصيغته الراهنة.
يتّبع الحمّام الشامي الكلاسيكي تصميماً فريداً تتدرّج فيه الحرارة من الخارج إلى الداخل وفق ثلاثة أقسام رئيسية، يؤدي كل منها وظائف محددة ضمن تجربة الاستحمام المتكاملة:
هو قاعة الاستقبال والانتظار، وأكبر أقسام الحمّام وأكثرها تفخيماً في التصميم والزخرفة. يمتاز عادةً بقبّة مركزية عالية مع فتحات ضوء علوية (قَمَرِيّات)، ومصطبات (أرائك حجرية) مرتفعة على الجوانب لجلوس الروّاد، وكوّات صغيرة أسفل المصطبات لحفظ الأحذية، وبحرة (حوض) مركزية خاصة في الطراز الدمشقي. يؤدي البراني وظائف متعددة تتجاوز تبديل الملابس: الاستراحة والاجتماعات الاجتماعية والمعاملات التجارية والاحتفالات بالمناسبات كالأعراس واستقبال المواليد.
في حمّام نور الدين بدمشق، يعود المشلح إلى الحقبة العثمانية ويتميز بست إيوانات في تناظر محوري وحوض مثمّن في المنتصف، ومصطبات حجرية مع كوّات للأحذية – وهو تصميم فريد في بابه.
منطقة انتقالية بين البرودة والسخونة، بدرجة حرارة معتدلة. يحتوي عادةً على مقصورات النورة (غرفة إزالة الشعر بالنورة)، ومناطق للتدليك الخفيف، ومجسّات (أحواض) فردية صغيرة. في حمّام نور الدين بدمشق، يُعدّ الوسطاني تحفة معمارية بذاته: قاعة مثمّنة كبيرة بقبة مضلّعة تستند على ست عشرة حنية (تجويفاً)، تُحيط بها مقصورات صغيرة.
أساس الحمّام وقلبه الوظيفي حيث يتم الاستحمام الفعلي. يتميز بأرضيات من الرخام الملوّن الملتهب بفعل التدفئة التحتية، وقباب مرصّعة بفتحات من الزجاج أو الحجر الملوّن (قمريات) تُدخل الضوء دون تسرّب الحرارة، وأجران (أحواض) بماء ساخن وبارد جنباً إلى جنب، وبخار يتسلّل من أقنية مرتبطة بالفرن.
في حمّام نور الدين بدمشق: قاعة مستطيلة ذات قبو أسطواني، يدخل البخار من فتحة جانبية متصلة بالفرن مباشرةً.
القمريات هي فتحات دائرية أو متعددة الأضلاع في قباب الحمّام، تُملأ عادةً بقطع زجاجية ملوّنة أو حجارة شفافة. تؤدي وظيفة مزدوجة: الإضاءة الطبيعية دون فتح الحمّام على الهواء الخارجي مما قد يُبرّده، والزينة الفنية عبر نماذج هندسية تُلوّن أرضية الحمّام بأضواء متنوعة الألوان تتغيّر مع حركة الشمس على مدار اليوم، مما يُضفي على الفضاء الداخلي جواً روحانياً فريداً.
ورث الحمّام الإسلامي نظام الهيبوكوست الروماني (التدفئة بأرضيات معلّقة) وطوّره محلياً وفق المتطلبات المناخية والوظيفية:
| الحقبة | الطراز المميز | الابتكار الرئيسي |
|---|---|---|
| روماني (القرن 1-4م) | مخطط محوري صارم، حمّامات ضخمة، أحواض سباحة جماعية | نظام الهيبوكوست، الفريجيداريوم |
| أموي (661-750 م) | إزالة القاعة الباردة، غرف استقبال أكبر | التخلي عن حوض الغمر الجماعي لأسباب فقهية |
| أيوبي (1171-1260 م) | دمج الحمّام في المنظومة الوقفية (مسجد/مدرسة/حمّام) | الربط المؤسسي بين الحمّام والوقف |
| مملوكي (1260-1516 م) | تزيين بالمقرنصات، قباب عالية، فنون هندسية راقية | تطوير القمريات والمقرنصات الصوتية |
| عثماني (1516-1918 م) | المشلح الفخم بالإيوانات، تأثيرات فارسية، أبلق (تبادل الحجارة الملوّنة) | الإيوانات المتعددة، الزخارف الخطية |
تمتلك دمشق القديمة تاريخاً حافلاً في بناء الحمّامات يمكن تتبّعه عبر شهادات المؤرخين والرحّالة:
كان ذكر عدد الحمّامات وجودتها في كتابات المؤرخين والرحّالة المسلمين دليلاً على ازدهار المدينة ورقيّها الحضاري، إلى جانب المساجد والمدارس والبساتين. فالرحّالة ابن بطوطة (1304-1368 م) الذي زار دمشق ووصفها في كتابه «تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» نقل وصفاً يعكس مكانة الحمّامات في الحياة الحضرية، وكان في ذلك متأثراً بوصف الرحّالة الأندلسي ابن جبير (1145-1217 م) الذي سبقه بأكثر من قرن ونصف.
البيانات الأساسية:
| البيان | التفصيل |
|---|---|
| الباني | نور الدين محمود بن زنكي (1118-1174 م)، أتابك حلب ثم حاكم الشام |
| تاريخ البناء | 1154-1172 م (549-567هـ) – أي ما يقارب 870 عاماً |
| الموقع | سوق البزورية (سوق التوابل)، دمشق القديمة، بجوار خان أسعد باشا |
| الغرض الأصلي | وقف لتمويل المدرسة النورية (بُنيت 1167 م/563هـ) |
| الترميم الحديث | أعادت المديرية العامة للآثار والمتاحف (DGAM) ترميمه عام 1979 م |
يُعدّ حمّام نور الدين الشهيد الأقدم بين الحمّامات الدمشقية المستمرة في العمل حتى يومنا هذا دون توقف طوال الحقبة الإسلامية منذ بنائه. نصّ وثيقة الوقف في المدرسة النورية على تخصيص دخل «الحمّام الجديد المبني في سوق القمح بأجمعه» لتمويل المدرسة، في نموذج مبكر على المنظومة الوقفية المتكاملة التي ربطت الحمّام بالمؤسسات الدينية والتعليمية.
التفاصيل المعمارية:
التوثيق الرقمي: وُثّق حمّام نور الدين ضمن مشروع أنقا (Project ANQA) الذي أُطلق عام 2015 بتعاون بين منظمة CyArk والمجلس الدولي للمواقع والمعالم الأثرية (ICOMOS) ومكتب اليونسكو لصون التراث السوري. أنتج المشروع نماذج ثلاثية الأبعاد دقيقة للحمّام متاحة للعموم عبر منصة Open Heritage 3D، مما يشكّل أرشيفاً رقمياً دائماً.
البيانات الأساسية:
| البيان | التفصيل |
|---|---|
| التأسيس الأول | 985 م (375هـ) في الحقبة الفاطمية |
| الاسم الأصلي | «حمّام العقيقي» نسبة إلى بانيه أحمد بن الحسين العقيقي (ت. 376هـ) |
| إعادة التسمية | اشتراه السلطان المملوكي ناصر الدين (676هـ/1277 م) وأعاد تسميته تيمّناً بوالده الملك الظاهر بيبرس |
| الموقع | حي العمارة، دمشق القديمة |
| العمر | يتجاوز ألف عام |
يُعدّ حمّام الملك الظاهر أقدم حمّامات دمشق الحالية من حيث تاريخ التأسيس، وقد ظل عاملاً طوال أكثر من ألف سنة. يتميز ببراني واسع بمصطبات متعددة تتوسطها بحرة دمشقية تقليدية، ووسطاني معتدل الحرارة، وجوّاني يحتوي أواوين حجرية.
بناه الأمير محمد بكتوت القرماني عام 1340 م في سوق العتيق بدمشق. يُعدّ أكبر حمّامات دمشق على الإطلاق وفق الباحثين والمؤرخين، ويتميز بـ 12 قبة صغيرة بجانب القبة الكبيرة المركزية (أي 13 قبة إجمالاً)، وجميعها مزوّدة بفتحات للإنارة (قمريات) تتيح دخول أشعة الشمس لتضيء الأرضية بألوان متدرجة، مما يخلق مشهداً بصرياً فريداً يتغير على مدار ساعات النهار.
يقع في محلة باب توما بدمشق القديمة ويعود للعصر المملوكي. يتجاوز عمره 900 عام وفق وكالة الأنباء العربية السورية (سانا)، ويُعرف بكونه مكاناً تتوارث فيه الأسر تقليد زيارة الحمّام جيلاً بعد جيل.
من الحمّامات الثمانية التي تواصل عملها في دمشق حتى اليوم: حمّام أمّونة النسائي التقليدي المعروف بأصالته المحافظة على الطابع التراثي، وحمّام القيمرية في حي القيمرية التاريخي الذي يُعدّ من أعرق أحياء دمشق القديمة.
اشتُهرت مدينة حلب القديمة بكثافة حمّاماتها الاستثنائية؛ ففي العهد المملوكي كانت المدينة تضم نحو 400 حمّام عامل، وهو رقم يعكس الثراء التجاري والكثافة السكانية التي تمتعت بها حلب بوصفها إحدى كبريات المدن على طريق الحرير. تقع حمّامات حلب المهمة في نسيج السوق المتشابك حول القلعة وبالقرب من الجامع الكبير الأموي، مندمجة في منظومة اقتصادية واجتماعية واحدة مع الخانات والأسواق والمدارس والمساجد.
البيانات الأساسية:
| البيان | التفصيل |
|---|---|
| الباني | الأمير سيف الدين يلبغا الناصري، نائب السلطان المملوكي على الشام |
| تاريخ البناء | يُنسب إلى عام 1491 م في المصادر الأكثر شيوعاً، مع رواية بديلة عن بناء أول نحو 1365 م دمّره تيمورلنك عام 1400 م ثم أُعيد بناؤه |
| الموقع | في محاذاة المنحدر الشرقي لقلعة حلب، قرب باب القلعة |
| المساحة | نحو 1,500 متر مربع |
| الترميم الحديث | رُمّم عام 1985 م بتكلفة نحو 1.04 مليون دولار بإشراف المهندس نبيل القصابجي |
الوصف المعماري:
الأسطورة الشعبية: ارتبط الحمّام بحكاية «خطف الجن للعروس ليلة زفافها»، وهي حكاية شعبية تعكس في الحقيقة تنافساً تجارياً محتدماً بين مشرفي الحمّامات المتجاورة، إذ كان إشاعة مثل هذه القصص وسيلة لإبعاد الزبائن عن حمّام منافس.
خلال الحرب: تعرّض حمّام يلبغا للدمار والنهب خلال سنوات الصراع (2012-2016). أشار تقرير اليونسكو (2014-2015) صراحةً إلى أنه كان من أبرز المنشآت الأثرية التي دُمّرت أو تضررت بشدة جنوب قلعة حلب القديمة.
البيانات الأساسية:
| البيان | التفصيل |
|---|---|
| التأسيس | القرن الثاني عشر الميلادي، بأمر من عائشة بنت صلاح الدين الأيوبي |
| الاسم الأصلي | «حمّام الست» (نسبة إلى بانيته) |
| اسمه الراهن | اشتُقّ من خان النحاسين (خان صانعي النحاس) المجاور |
| الموقع | في سوق المدينة بحلب القديمة، جنوب الجامع الأموي الكبير |
| الترميم الأخير | أكملته DGAM في يناير 2022، أُعيد افتتاحه في نوفمبر 2022 |
البنية المعمارية: يتميز بقسم خارجي (براني) هو الأضخم بين أقسامه، مع زخارف خشبية وأرضية رخامية، يعلوه سقف مزيّن بقبة ذات فتحات زجاجية للإضاءة. يضم أعمدة رخامية وأقواس بديعة وزخارف نقشية على الجدران. رُمّم مرات عدة في العصرين المملوكي والعثماني، ومعظم المبنى الراهن يعود للعصر العثماني.
ملاحظة مصدرية: تتفق المصادر على نسبة التأسيس الأول إلى عائشة بنت صلاح الدين في القرن الثاني عشر، غير أن البنية القائمة تعود أساساً للعصر العثماني، مما يطرح إشكالية تأريخية حول أي الطبقتين المعماريتين يُعتمد في التأريخ.
حمّام عثماني بارز في حلب يُذكر ضمن الحمّامات الأثرية الكبرى للمدينة. يعكس الطراز العثماني الكلاسيكي بكتلته المعمارية الضخمة وقبابه المتعددة.
تجاوزت وظيفة الحمّام في المجتمعات الشامية الاستخدام الصحي المجرّد لتغدو مؤسسة اجتماعية شاملة تؤدي طيفاً واسعاً من الأدوار. كانت الحمّامات مفتوحة لجميع الطبقات الاجتماعية (رغم وجود حمّامات أكثر فخامة لذوي اليسار)، إذ لا يحمل الداخل علامات انتمائه الطبقي حين يدع ملابسه في المشلح. وكان الرجال يُبرمون صفقاتهم التجارية ويتبادلون الأخبار والمعلومات في قاعة البراني، التي أدّت دور «ناد» أو «ملتقى» أشبه بما صار يُعرف لاحقاً بالمقهى.
في غياب الحمّامات المنزلية في معظم البيوت التقليدية، كانت الحمّامات العامة ضرورة صحية لكل الأسر، خاصة في البيوت الشعبية التي يقطنها أفراد من عائلات متعددة.
كانت الحمّامات إما مقسّمة (قسم للرجال وقسم للنساء في المبنى ذاته) أو تُخصَّص فيها أوقات منفصلة: عادةً الصباح للنساء والمساء للرجال، أو تُخصّص أيام بعينها لكل جنس. وللنساء، كان الحمّام الفضاء الاجتماعي الأهم خارج المنزل، إذ يتيح لهن التواصل وتبادل الأخبار والمشورة بعيداً عن أعين الرجال.
تُعدّ زيارة الحمّام قبيل الزفاف من أعرق التقاليد الاجتماعية في بلاد الشام، وهي طقس يتوزع بين العريس والعروس:
طقس العريس: في صباح يوم الزفاف، يذهب العريس برفقة أصدقائه وأقاربه إلى الحمّام بعد حجزه بشكل خاص. يمتلئ المكان بالمرح والغناء والضحك، ويُساعد الأصدقاء العريس في الاستعداد ولبس ملابس العرس.
طقس العروس: تجتمع النساء في الحمّام لإعداد العروس في احتفالية مخصوصة. يُزيّن الحمّام بالزهور والأضواء، وتستحم العروس بماء الورد والعطور، وتُقام جلسات للحناء مع الغناء والزغاريد، وتتبادل النساء النصائح والأسرار. وفي بعض المناطق، كانت «ليلة الحمّام» تسبق ليلة الزفاف بيوم وتُعدّ حفلاً اجتماعياً خاصاً بالنساء لا يقل أهمية عن حفل الزفاف نفسه.
كانت الحمّامات محطة أساسية في دورة حياة الإنسان الشامي؛ إذ ارتبطت بالمولود الجديد ارتباطاً وثيقاً عبر زيارتين رئيسيتين: الأولى بعد سبعة أيام من الولادة حين تزور النفساء الحمّام مع المولود وكبريات نساء العائلة، والثانية بعد أربعين يوماً في زيارة أكثر احتفالية تُعلن «تعافي النفساء التام» وتكون مجالاً للاحتفاء والمباركة وتقديم الهدايا وتبادل أسرار رعاية الطفل.
أضفى الإسلام على الحمّام بعداً دينياً راسخاً جعله أكثر من مجرد مرفق صحي:
وقد كتب أطباء مسلمون بارزون عن الحمّامات ودورها في الطب الوقائي، من بينهم ابن حُبَل البغدادي (القرن الثاني عشر الميلادي) الذي وصف الحمّام بوصفه وسيلة لتعزيز الصحة وعلاج بعض الأمراض الجلدية والمفصلية.
ارتبط بالحمّام الشامي طقم من الأدوات التقليدية التي كانت تعكس الثراء الاجتماعي لصاحبها:
| الأداة | الوصف والاستخدام |
|---|---|
| الكيس (Kese) | قفاز من الخيوط الخشنة لتقشير الجلد الميت |
| القبقاب (النالين) | نعل خشبي يُرتدى داخل الحمّام لحماية القدمين من حرارة الأرضيات |
| الطاسة (الكوز) | إناء لصبّ الماء على الجسم |
| الطشت | حوض نحاسي صغير |
| فوطة الحمّام | قماش يُلفّ حول الجسم |
| صابون الغار | الصابون الرئيسي لحمّامات حلب، أُدرجت صناعته في قائمة اليونسكو للتراث غير المادي عام 2024 |
| المِلْياسة | زجاجة عطر أو ماء الورد |
في العصر العثماني، كانت لوازم الحمّام تعكس المكانة الاجتماعية لصاحبها؛ فكانت المناشف والقبقابات تُطرَّز بخيوط الذهب والفضة لدى الطبقات الميسورة.
يرتبط بثقافة الحمّام في حلب ارتباطاً عضوياً صابون الغار الحلبي الذي يمتد تاريخ صناعته لأكثر من ألفَي عام بجذور في الحضارة الفينيقية. يُصنع من زيت الزيتون وزيت الغار المضاد للبكتيريا والالتهابات، ويُعرف بـ «الذهب الأخضر لحلب». أدرجت اليونسكو «صناعة صابون الغار الحلبي» رسمياً في 4 ديسمبر 2024 على قائمة التراث الثقافي غير المادي للإنسانية (القرار 19.COM 7.b.10)، وذلك في الدورة التاسعة عشرة للجنة الحكومية الدولية المنعقدة في أسونسيون بباراغواي. قبل الحرب كان في حلب نحو 100 مصنع صابون، انخفض عددها بعد الحرب إلى نحو عشرة مصانع فقط.
في عام 2013، أدرجت اليونسكو جميع المواقع التراثية الست في سوريا على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر، بما فيها مدينة حلب القديمة. وبعد بعثة الطوارئ الأولى لليونسكو في يناير 2017 لتقييم الأضرار، كشفت النتائج عن حجم الكارثة:
تعرّضت معظم المباني التاريخية جنوب قلعة حلب للدمار أو الأضرار البالغة خلال الفترة 2014-2015، من بينها حمّام يلبغا الناصري (المذكور صراحةً في تقارير اليونسكو)، ومجمّع الخسروية، والمدرسة السلطانية، والسراي الجديد، والجامع الكبير ومئذنته التاريخية.
كان حمّام يلبغا الناصري من أبرز ضحايا الصراع؛ فقد تعرّض للدمار الجزئي والنهب خلال معركة حلب (2012-2016)، إذ كان موقعه قرب خط المواجهة بين القوات الحكومية والفصائل المسلحة. كما تضرر حمّام النحاسين ومعظم الخانات والأسواق المحيطة.
وأضاف زلزال فبراير 2023 الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا بعداً كارثياً إضافياً، إذ أبلغت تقارير اليونسكو (2023-2025) عن تضخّم كبير للأضرار الموروثة من الحرب بفعل الزلزال، مع حاجة متزايدة للدعم الدولي في صون التراث السوري.
نجت المدينة القديمة في دمشق إلى حد بعيد من الدمار العسكري المباشر مقارنةً بحلب، غير أن الحمّامات عانت بشدة من آثار الأزمة الاقتصادية والحصار:
هذا التحوّل الوظيفي المفارق – حيث عاد الحمّام إلى دوره الأصلي كضرورة حياتية بعد عقود من تحوّله إلى مرفق ترفيهي وسياحي – يعكس قدرة هذه المؤسسة التاريخية على التكيّف مع المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية عبر القرون.
تعمل مؤسسة الآغا خان للثقافة في سوريا منذ عام 1999 م، وتُعدّ أبرز جهة دولية ناشطة في ترميم التراث المعماري السوري. أبرز إنجازاتها:
ترميم أسواق حلب المركزية (2018 إلى الآن): يُعدّ هذا أضخم مشاريع الترميم التراثي في سوريا بعد الحرب. شمل ثمانية مقاطع رئيسية من السوق على المحور الشرقي-الغربي من القلعة إلى باب أنطاكية، وأعاد 277 دكاناً إلى أصحابها الأصليين، ورمّم أكثر من 515 متراً من الممرات المسقوفة (5,480 متراً مربعاً). كما شمل ترميم الخانات المجاورة: خان الحرير وخان جاكي وخان البنادقة، مع استمرار العمل في خان الصابون وإعادة ترميم سوق الحرير (60 دكاناً) وسوق الحبال (57 دكاناً) وسوق الأحمدية (19 دكاناً). أُعيد افتتاح أربعة أسواق تراثية في سبتمبر 2024.
ترميم قلعة حلب (1999-2006): شمل مجمّع القصر الأيوبي والتاج الغربي للقلعة والأسوار المحيطة، مع إضافة ممشيات للمشاة وتحسينات في الإدارة السياحية.
بيوت دمشق التاريخية (2008 إلى الآن): ثلاثة قصور عثمانية هي بيت السبعي وبيت النظام وبيت القوتلي، بتوثيق معماري متطور وتقنيات هندسية حديثة.
يُمثّل ترميم حمّام النحاسين في حلب نموذجاً على إمكانية الترميم الحكومي الكامل بعد الحرب. نفّذته المديرية العامة للآثار والمتاحف (DGAM) بدءاً من عام 2021، واكتمل في يناير 2022، وأُعيد افتتاحه رسمياً في نوفمبر 2022 لمزاولة نشاطه الأصلي كحمّام عام. يُثبت هذا النموذج أن إعادة إحياء الحمّامات التاريخية ليست مجرد ترميم معماري بل استعادة لنسيج اجتماعي حي.
أُطلق مشروع أنقا في يونيو 2015 في استجابة طارئة للخسائر الكارثية في تراث الشرق الأوسط، بتعاون بين منظمة CyArk والمجلس الدولي للمواقع والمعالم الأثرية (ICOMOS) وجامعة كارلتون الكندية ومكتب اليونسكو لصون التراث الثقافي السوري، بتمويل من مؤسسة أركاديا البريطانية. دُرِّب خمسة متخصصين من DGAM على تقنيات المسح بالليزر والمساحة التصويرية (Photogrammetry)، وأُنتجت نماذج ثلاثية الأبعاد دقيقة لعدد من المواقع بينها حمّام نور الدين في دمشق، وهي متاحة مجاناً عبر منصة Open Heritage 3D.
حاز مشروع ترميم أسواق حلب جائزة ICCROM-الشارقة لأفضل ممارسات صون التراث الثقافي في المنطقة العربية (نوفمبر 2020)، وهي جائزة تُمنح للمشاريع المتميزة في حفظ التراث وإعادة إحيائه في العالم العربي.
أدّت اليونسكو دوراً محورياً في توثيق الأضرار والمتابعة الدورية عبر تقارير «حالة الحفظ» (State of Conservation Reports)، ودعم مبادرات الترميم المحلية عبر التوجيه التقني والتمويل الجزئي. من أبرز محطاتها: إدراج جميع المواقع التراثية الست في سوريا على قائمة التراث المهدد بالخطر عام 2013، وبعثة الطوارئ الأولى لتقييم أضرار حلب في يناير 2017.
لم تقتصر ثقافة الحمّامات على دمشق وحلب، بل امتدت إلى سائر المدن السورية:
حمص: يتميز الحمّام العثماني الواقع في سوق البازرباشي (بُني عام 1896 م/1325هـ) بدقة التناظر وتناغم الأبلق (الحجارة البيضاء والسوداء المتناوبة). وتضم حمص القديمة حمّامات أخرى كحمّام الباشا وحمّام العصياتي.
حماة: يُعدّ حمّام السلطان أبرز حمّاماتها، وكان مركزاً للتواصل الاجتماعي والاحتفالات عبر القرون. ويُذكر أيضاً حمّام الأسعدية ضمن الحمّامات التراثية البارزة.
بصرى: يحتضن حمّام منجك (المنجك) وهو حمّام إسلامي تاريخي ذو قيمة تراثية عالية في المدينة الرومانية الأثرية.