تُشكّل الأسواق التاريخية في سوريا واحدةً من أبرز معالم الحضارة الإنسانية المتراكمة عبر آلاف السنين، إذ تجمع في طياتها الهندسة المعمارية الفريدة والوظيفة الاقتصادية والبُعد الاجتماعي في نسيج واحد لا يمكن فصل خيوطه. وعلى امتداد التاريخ، كانت هذه الأسواق محطات ربطت قوافل التجارة القادمة من بلاد فارس والهند والصين بموانئ البحر الأبيض المتوسط، وارتادها التجار والحرفيون والعلماء والحجاج جيلًا بعد جيل. ويُعدّ سوق المدينة في حلب أطول سوق مسقوف في العالم بنحو ثلاثة عشر كيلومتراً من الأزقة المتشعبة والقناطر الحجرية، فيما يبقى سوق الحميدية في دمشق أكثر هذه الأسواق شهرةً وحضوراً في الوجدان الشامي. وقد نالت مدينتا دمشق وحلب القديمتان اعتراف منظمة اليونسكو بإدراجهما على قائمة مواقع التراث العالمي، الأولى عام 1979 والثانية عام 1986، تقديراً لقيمتهما الحضارية الاستثنائية. غير أن موجة الدمار التي اجتاحت هذه الأسواق خلال النزاع المسلح منذ عام 2012 مثّلت كارثة إنسانية وحضارية استدعت استجابة دولية واسعة لإعادة البناء والترميم.
تعود جذور أسواق سوريا إلى ما قبل الفتح الإسلامي بقرون عديدة، إذ شيّد الإغريق والرومان ما عُرف بـ«الأغورا» أو «الفوروم»، وهو فضاء مفتوح في قلب المدينة يجمع بين التجارة والشعائر الدينية والسياسة. وفي دمشق، كان «الشارع المستقيم» — المعروف لاتينياً بـ Via Recta — الشريان التجاري الرئيس الذي يعبر المدينة شرقاً وغرباً على امتداد نحو ألف وخمسمئة متر. وقد احتضن هذا المحور معابد المشتري الضخمة في غربه، ويمتد حتى باب شرقي في نهايته الشرقية، وهو ذات المحور الذي نشأ على أساسه سوق مدحت باشا المسقوف في العهد العثماني.
وفي حلب، استفادت الأسواق الأولى من موقع المدينة الاستراتيجي عند ملتقى طرق التجارة بين الفرات والبحر الأبيض المتوسط، وقد أشارت المصادر الأكادية المسمارية إلى حلب (المعروفة يومها بـ"حلبو«) بوصفها مركزاً تجارياً رئيسياً منذ الألفية الثانية قبل الميلاد.
بعد الفتح الإسلامي في القرن السابع الميلادي، شهدت الأسواق تحولاً وظيفياً ومعمارياً جوهرياً. فبدلاً من الساحة المكشوفة الرومانية، تشكّلت شبكة متكاملة من الأزقة المسقوفة بالقباب والعقود الحجرية، وتوزعت بحسب التخصص الحرفي والتجاري. وقد بلغ هذا التطور ذروته في الحقبة المملوكية (1260-1516 م)، حين أُنشئت الأسواق الكبرى المسقوفة بأقبية حجرية لأول مرة، وبُنيت الخانات الضخمة لاستقبال القوافل التجارية القادمة من أربع جهات الأرض.
وكانت الأسواق في تلك الحقبة تُنظَّم وفق منطق دقيق في التسلسل الهرمي المكاني: تبدأ بالسلع العطرية والفاخرة قرب المساجد الجامعة، ثم تتحول تدريجياً نحو السلع ذات الرائحة الأقل شرفاً (كالجلود والأسماك) كلما ابتعدنا عنها. وكان هذا الترتيب يعكس رؤية دينية وجمالية في آنٍ معاً، تضع المقدس في مركز الحياة العمرانية.
بلغت الأسواق السورية أوج ازدهارها في الحقبة العثمانية، لا سيما في القرنين السادس عشر والسابع عشر. فقد أضاف العثمانيون إلى منظومة الأسواق طبقات جديدة من الخانات والقيساريات والحمامات والأسبلة، وربطوا كل ذلك بنظام الأوقاف الذي كان يضمن استمرار الخدمات العامة وصيانة المباني. ووصل حجم التبادل التجاري في أسواق حلب ودمشق في تلك الحقبة حداً جعلها مراكز عالمية تنافس أسواق إسطنبول والقاهرة وفاس.
يُعدّ سوق المدينة في حلب النموذج الأكثر اكتمالاً وضخامةً للسوق الإسلامي التاريخي في العالم كله، إذ يمتد وفروعه على مسافة نحو ثلاثة عشر كيلومتراً من الأزقة المسقوفة، ويضم خمسة وأربعين سوقاً فرعياً وما يزيد على ثلاثين خاناً. وقد أُدرجت مدينة حلب القديمة، ومعها السوق، على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1986.
يعود تاريخ معظم أجزاء السوق إلى القرن الرابع عشر الميلادي إبان الحكم المملوكي، وإن كان بعض قطاعاته يرجع إلى ما قبل ذلك. وقد تطور وتوسع توسعاً ملحوظاً في القرن السادس عشر في ظل الحكم العثماني، حين كانت حلب ثالث مدن الإمبراطورية العثمانية بعد إسطنبول والقاهرة.
التخصص الحرفي والتجاري: تتميز أسواق حلب بتخصص كل سوق فرعي في صنف بعينه من السلع أو الحرف، وقد حُفظت هذه التسميات حتى اليوم. ومن أبرز هذه الأسواق:
أبرز الخانات: يتضمن السوق عدداً من الخانات ذات القيمة المعمارية والتاريخية الفائقة، منها:
المشغولات الحلبية الشهيرة: اشتهرت حلب تاريخياً بصناعة الحرير والبروكار (الديباج)، وكانت تستورد الحرير الخام من إيران وتصنّعه بُسطاً وملابس فاخرة تُصدَّر إلى أوروبا. كما اشتُهرت بالصابون الشهير بزيت الغار الذي لا يزال يُنتج حتى اليوم وفق وصفات تعود إلى آلاف السنين، وبالمشغولات النحاسية والزجاجية.
في الخامس والعشرين من سبتمبر عام 2012، شبّ حريق هائل في قلب سوق المدينة إثر اشتداد المعارك بين القوات الحكومية وفصائل المعارضة المسلحة في المدينة القديمة. وقد التهمت النيران مئات المحلات وأجزاء واسعة من الأزقة المسقوفة، ووصف المدير العام لليونسكو آنذاك إيرينا بوكوفا الحادثة بأنها »خسارة لا تُعوَّض للتراث الإنساني المشترك«.
وقد تواصلت عمليات الدمار على مدى السنوات التالية، حتى أصدرت اليونسكو تقريرها لعام 2014 الذي وثّق أن أربعة وثلاثين من أصل خمسة وأربعين سوقاً فرعياً تعرضت لأضرار جسيمة، وأن نحو ألف وخمسمئة من أصل ألف وستمئة محل تجاري قد أُصيب بأضرار متفاوتة أو دُمّر كلياً. وتشير التقديرات الأولية إلى أن ما يزيد على ستين بالمئة من مدينة حلب القديمة أُصيب بأضرار بالغة، وثلاثين بالمئة منها دُمّر تدميراً شاملاً.
وفي أعقاب استعادة السيطرة الحكومية على حلب في ديسمبر 2016، بادرت مؤسسة الآغا خان للثقافة (AKTC) بالتنسيق مع اليونسكو والمديرية العامة للآثار والمتاحف السورية (DGAM) وصندوق سوريا للتنمية، إلى إطلاق مشروع تجريبي لإعادة تأهيل سوق الصاقاتية، وهو ممر تاريخي يمتد على مسافة مئة وخمسين متراً ويضم اثنين وخمسين متجراً. واستُكمل المشروع في يوليو 2019 بميزانية بلغت أربعمئة ألف دولار، باستخدام مواد تقليدية وتقنيات حرفية موروثة. وفي نوفمبر 2020، نال هذا المشروع جائزة ICCROM-الشارقة لأفضل ممارسات في صون التراث الإسلامي.
وتوسّعت جهود الترميم لاحقاً لتشمل ثمانية قطاعات رئيسية من السوق، واستُعيد خمسمئة متر من الممرات التاريخية، وسُلّم سبعة وسبعون ومئتا متجر إلى أصحابها. وقد عاد السوق إلى الحياة في خريف عام 2024 مع موجة العودة الواسعة للمهجّرين بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر من ذلك العام.
يُعدّ سوق الحميدية أشهر أسواق دمشق وأكبرها، ويقع في قلب المدينة القديمة المسوّرة، ممتداً من شارع الثورة غرباً حتى صحن الجامع الأموي شرقاً، على طول يبلغ نحو ستمئة متر وعرض يصل إلى خمسة عشر متراً.
التسمية والتاريخ: أُنشئ الجزء الغربي من السوق عام 1780 م في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الأول وتحت إشراف والي دمشق محمد باشا، وكان يُعرف يومها بـ»السوق الجديدة«. ثم امتد في عهد السلطان عبد الحميد الثاني ليبلغ شكله الحالي، فسُمّي الحميدية نسبةً إليه. وقد شيّد السقف المعدني الحديدي في عام 1900 م على عهد رئيس بلدية دمشق محمد فوزي باشا العظم.
الموروث الروماني: يمتد السوق على المحور التاريخي للطريق الروماني المؤدي إلى معبد المشتري، وتقوم عند مدخله أعمدة المعبد الروماني الشاهقة، وهي من الرانيت الضخم ترتفع نحو اثني عشر متراً، وتشكّل إطاراً تاريخياً مهيباً عند مدخل السوق.
العمارة والسقف الحديدي: تتميز واجهات محلات السوق بالحجارة السوداء والبيضاء وفق الطراز الدمشقي الأصيل، فيما يُشكّل السقف الحديدي المقبب على ارتفاع عشرة أمتار علامته المعمارية الأبرز. وفي هذا السقف الحديدي ثقوب صغيرة لا تزال ماثلة حتى اليوم، يُقال إنها آثار رصاص المدافع الفرنسية إبان ثورة 1925 م، وقد باتت جزءاً من ذاكرة المكان الحية، إذ تتسلل من خلالها خيوط الضوء الفضي لترسم على أرصفة السوق أنماطاً متغيرة طوال النهار.
التنوع التجاري: ينتهي السوق بصحن الجامع الأموي، ويُفضي منه إلى درب من الحجارة مفضياً إلى ضريح صلاح الدين الأيوبي. وتنتشر على جانبيه متاجر العطور والأقمشة والمجوهرات وتحف التراث الشامي، كما تكثر فيه محلات الحلوى الدمشقية الشهيرة. ومنه يتفرع زقاق خاص يُعرف بـ»سوق الحرير« تُعرض فيه أفخر المنسوجات الدمشقية.
يقع سوق البزورية جنوبي الجامع الأموي مباشرةً، مندسّاً خلف جداره الجنوبي في حضن من أكثر أحياء دمشق القديمة صخباً وعراقةً. وتعود التسمية إلى كلمة »البزور« أي البذور، في إشارة إلى ما اشتُهر ببيعه من بذور نباتات طبية وعطرية وتوابل. وقد عُرف في حقب سابقة بأسماء متعاقبة: سوق القمح، ثم سوق الدهيناتية، ثم سوق العطارين.
الأهمية التاريخية: تُشير المصادر إلى وجود هذا السوق منذ العهد المملوكي قبل نحو ثمانمئة وخمسين عاماً، وقد ازدهر بشكل خاص في القرن الثامن عشر بعد تشييد خان أسعد باشا الملاصق له. وكانت قوافل الحج الشامي تلتقط من هذا السوق احتياجاتها من الأعشاب الطبية والتوابل والبخور قبل انطلاقها جنوباً نحو الحجاز.
ما يُباع فيه: يزخر سوق البزورية بكميات هائلة من التوابل والأعشاب الطبية والعطور والزهورات، من قرفة وهيل وزعفران وعرق السوس ويانسون وقرنفل ودارسين، إضافةً إلى الفواكه المجففة والمكسرات والأزهار المعطرة كالياسمين الدمشقي والورد الطائفي. ولا تزال بعض متاجره تحتفظ بديكوراتها الخشبية المحفورة وعقودها الحجرية منذ قرون.
خان أسعد باشا هو أكبر خانات دمشق القديمة وأفخمها، ويقع في قلب سوق البزورية. بناه الوالي العثماني أسعد باشا العظم بين عامي 1751 و1753 م، ليكون مركز تجاري الطراز الأول يستقبل قوافل من بغداد والموصل وحلب وبيروت وسائر أنحاء المشرق.
الوصف المعماري: يغطي الخان مساحة تبلغ ألفين وخمسمئة متر مربع، ويُعدّ من أكثر المنشآت »طموحاً« من الناحية المعمارية في تاريخ دمشق العثمانية. يتشكّل المبنى حول فناء مركزي مفتوح يتوسطه حوض مائي، محاط بطابقين من الممرات والغرف. والعنصر المعماري الأبرز هو ثمانية قباب صغيرة تحيط بقبة مركزية كبيرة ذات فتحة مضيئة في أعلاها، مما يُفيض الفناء بضوء طبيعي ناعم. وتُزيّن الجدران والأعمدة والأقواس نقوش من الأبلق (حجر بلونين متناوبين). أما الطابق الثاني فكان يضم ثمانين غرفة للإقامة مصطفّة حول ردهة تطل على الفناء.
ترميم الخان ونيله جائزة الآغا خان: دمّر زلزال وقع بعد سبع سنوات من إنشاء الخان ثلاثاً من قباب فنائه، فأُغلقت فتحاتها بألواح خشبية لقرنين ونيف من الزمن، حتى جاء مشروع الترميم الشامل عام 1990 م الذي أُعيد فيه بناء القباب المتهدمة وفق الأساليب الحرفية التقليدية. وقد نال هذا المشروع جائزة الآغا خان للعمارة تقديراً لمستواه الرفيع في صون التراث.
الخان — ويُسمى أحياناً قيسارية حين يكون مخصصاً للمنسوجات والأقمشة الفاخرة — هو المنشأة التجارية المتكاملة ذات الطابعين: يضم الطابق الأرضي منه المستودعات والمتاجر ونقاط توزيع البضائع، فيما يُخصَّص الطابق العلوي للإقامة المؤقتة للتجار وعمالهم وحيواناتهم. ويرتكز الخان في معظم الأحيان حول فناء مكشوف أو شبه مكشوف، مما يُتيح التهوية وإدخال الضوء الطبيعي، ويُشكّل بهذا التصميم مجتمعاً تجارياً مصغراً يوفر كل ما يحتاجه التاجر المسافر من مأوى وأمان ومرافق.
ارتبط الحمام التقليدي بالأسواق ارتباطاً عضوياً وثيقاً، إذ كان يوفر للتجار والحرفيين خدمات الطهارة والاستجمام والتداوي. ويُمثّل حمام النحاسين في حلب نموذجاً بارزاً على الحمامات المدمجة في منظومة السوق، وتعود نشأته إلى القرن الثاني عشر في العهد الأيوبي، ويُقال إن الأميرة عائشة بنت صلاح الدين هي من أسّسته. وكانت الحمامات تعمل أحياناً كأوقاف دينية تموّل من عائداتها مؤسسات تعليمية أو دور إيواء مجاورة.
الأبلق (من الكلمة العربية الدالة على ذي لونين) هو أسلوب بنائي يتناوب فيه الحجر الكلسي الأبيض والبازلت الأسود في صفوف أفقية متعاقبة، مما يُضفي على الواجهات مظهراً مخططاً بارزاً. ويُرجع بعض الباحثين أصول هذه التقنية إلى العمارة الرومانية المتأخرة، غير أن الرواية الإسلامية الأولى عنها تعود إلى أعمال ترميم المسجد الأموي في دمشق عام 1109 م. وقد غدا الأبلق سمة مميزة للعمارة المملوكية في سوريا ومصر وفلسطين في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، وهو ماثل في محلات سوق الحميدية وأعمدة خان أسعد باشا وبوابات خانات حلب على حد سواء.
كان السبيل — وهو نافورة المياه المجانية الممولة من الأوقاف الدينية — حضوراً دائماً في فضاء الأسواق التاريخية. وتُشير المصادر إلى أن أقدم سبيل معروف التاريخ في دمشق يرجع إلى عام 1077 م وفق نقشه الكتابي. وكانت الأسبلة تُبنى عند تقاطعات الطرق وعند أبواب المساجد وفي أروقة الخانات، وكان توفير الماء المجاني عملاً من أعمال البر الديني والتكافل الاجتماعي. ومن أكثر الأسبلة أثراً وجمالاً ما كُرّست لخدمة السوق في محيط الجامع الأموي بدمشق.
نظّمت الأسواق التاريخية السورية — كسائر أسواق المدن الإسلامية الكبرى — عبر نظام الأصناف، وهو ما يقابل النقابات المهنية في أوروبا. كان كل صنف يضم حرفيي مهنة بعينها، من نجارين وحدادين ونسّاجين وعطارين وصباغين وسادةً وصياغ، وكان على رأس كل صنف شيخ يُشرف على مستوى الجودة وينظم علاقات العمل ويفضّ النزاعات. وقد كان نظام الأصناف ضامناً للاستقرار الاقتصادي وحارساً للمعرفة الحرفية الموروثة التي تنتقل من جيل إلى جيل بالتلمذة المباشرة والتدريب العملي.
اشتُهرت سوريا تاريخياً بجملة من الصناعات والمنتجات الفريدة التي صدّرتها إلى أسواق العالم:
كانت أسواق حلب ودمشق محطتين لا غنى عنهما في منظومة طريق الحرير البري والبحري. ففي أسواق حلب كانت تلتقي القوافل القادمة من الصين والهند عبر بلاد فارس بالتجار الأوروبيين الوافدين من البندقية وجنوة وغيرهما. وقد أشارت منظمة اليونسكو إلى حلب بوصفها إحدى محطات طريق الحرير الكبرى منذ الألفية الثانية قبل الميلاد. أما دمشق فكانت محطة القوافل الحجازية الكبرى وبوابة مصر والشام على الطرق التجارية الممتدة جنوباً.
لم تكن الأسواق التاريخية مجرد فضاءات للبيع والشراء، بل كانت مراكز الحياة الاجتماعية بامتياز، تؤدي وظائف متعددة تتجاوز الاقتصاد:
الوظيفة الدينية: كانت الأسواق في الغالب ملاصقة للمساجد الجامعة أو مرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً، ما يعني أن التاجر والمشتري كانا على مقربة من مواقيت الصلاة وأماكن التعبد. وكانت عائدات المحلات في كثير من الأحيان تعود إلى أوقاف دينية تموّل مدارس وأضرحة وملاجئ للمعوزين.
الوظيفة التعليمية والثقافية: كانت الخانات الكبرى تحتضن أحياناً حلقات العلم والنقاش الفكري، وكان شيوخ الأصناف يُعدّون مرجعيات يُستأنس برأيها في الشؤون العامة. كما كانت الأسواق مسارح للعروض الشعبية والحكّائين والبهلوانيين في المناسبات الكبرى.
الوظيفة الاجتماعية والسياسية: شكّل السوق منذ القدم المكان الأمثل لتداول الأخبار وصياغة الرأي العام، وقد شهدت أسواق دمشق وحلب على مدى قرون إعلان القرارات الكبرى وتنظيم المقاومات الشعبية والأعياد والمواكب.
لا تكتمل صورة الأسواق التاريخية في سوريا دون الإشارة إلى أسواق حمص القديمة، وإن كانت قد عانت من غياب الاهتمام التوثيقي مقارنةً بنظيراتها في دمشق وحلب. كانت حمص تمتلك شبكة من الأسواق المسقوفة بطراز عثماني، تضم متاجر الأقمشة والذهب والحرف النحاسية والحدادة والمواد الغذائية. وكان السوق القديم المسقوف قبلة الدمشقيين والحمصيين على حد سواء لاقتناء الملابس والمشغولات اليدوية.
وقد حلّت بهذه الأسواق كارثة مزدوجة: فمن جهة، أُعيد تطوير مناطق واسعة من مركز المدينة في العقود التي سبقت الحرب وفق مخططات حديثة لم تأبه للتراث المعماري، ومن جهة أخرى، أتى النزاع المسلح الذي اشتدت وطأته بين عامي 2011 و2014 على ما تبقى من نسيج عمراني قديم في الأحياء الداخلية المحاصرة. وقد شهدت منطقة باب الدريب ومحيط جامع خالد بن الوليد أشد المعارك الحضرية ضراوةً، وخسرت الأحياء المحيطة بها كثيراً من إرثها المادي.
ويُجري اليوم عدد من المنظمات الدولية ومنظمات المجتمع المدني المحلية عمليات توثيق وتقييم أضرار في مدينة حمص القديمة كخطوة أولى نحو إعادة التأهيل.
أصدرت اليونسكو سلسلة من تقارير حالة الصون (SOC) للمواقع السورية المدرجة على قائمة التراث العالمي بدءاً من عام 2013. وتُشير هذه التقارير إلى أن المدينة القديمة لحلب لحقت بها أضرار كارثية يصعب إحصاؤها بدقة في ظل استمرار الاشتباكات وتقييد وصول الخبراء. وقد أجرت اليونسكو وشريكتها UNITAR أول بعثة تقييم ميداني طارئ لحلب عقب وقف إطلاق النار، وخلصت إلى أن ما يزيد على مئة وعشرين مبنى تاريخياً قد دُمّر أو أُصيب بأضرار، فضلاً عن الدمار الشامل للمحلات التجارية.
اضطلع مشروع ASOR للتراث الثقافي (منذ أغسطس 2014 بتمويل من وزارة الخارجية الأمريكية) بمهمة رصد وتوثيق الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية والتراثية السورية عبر صور الأقمار الصناعية وشهادات الشهود الميدانيين وتقارير المنظمات المحلية. وقد غطّت التقارير الأسبوعية والشهرية الصادرة عن ASOR حالة الأسواق في حلب ودمشق وإدلب وغيرها، مُوثّقةً عمليات النهب والإتلاف المتعمد والدمار الناجم عن القصف.
وثّقت المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية (DGAM) على مدى سنوات الحرب الأضرار التي لحقت بالأسواق والمواقع التراثية، وأصدرت تقارير دورية رغم صعوبة الوصول الميداني وتقلب الأوضاع الأمنية. وقد حرصت المديرية على توثيق التفاصيل المعمارية والأثرية قبيل الخسارة، واستعانت في ذلك بالتصوير الجوي وتقنيات المسح ثلاثي الأبعاد حين أُتيح لها ذلك.
| المعيار | سوق المدينة حلب | البازار الكبير إسطنبول | أسواق مراكش |
|---|---|---|---|
| التأسيس | القرن الرابع عشر | 1461 م | القرن الحادي عشر |
| الطول الإجمالي | ~13 كيلومتراً | ~61 شارعاً مسقوفاً | غير محدد بدقة |
| عدد المحلات | ~1600 قبل الحرب | ~5000 محل | آلاف |
| التخصص الحرفي | عالٍ جداً (45 سوقاً فرعياً) | عالٍ (مناطق متخصصة) | عالٍ (متاجر متفرقة) |
| إدراج اليونسكو | 1986 (مدينة حلب القديمة) | نعم (إسطنبول التاريخية) | 1985 (مدينة مراكش القديمة) |
| الطابع المعماري | مملوكي-عثماني، حجر كلسي مقبّب | عثماني، قباب مزدوجة | إسلامي مغربي |
| الدمار الحديث | كارثي (الحرب 2012-2016) | ضئيل | ضئيل |
يتميز سوق المدينة في حلب عن البازار الكبير في إسطنبول — الذي يُعدّ الأشهر عالمياً والأقدم عهداً (أُسّس عام 1461 م) — بكونه أطول بكثير من حيث المسافة الكلية للأزقة المسقوفة، وإن كان البازار الإسطنبولي يضم أعداداً أكبر من المتاجر في مساحة أكثر تركيزاً. أما أسواق مراكش فتفتقر إلى الوحدة المعمارية التي تتميز بها أسواق حلب، إذ هي أقرب إلى تجمّع من المتاجر المتناثرة في أزقة المدينة القديمة منها إلى منظومة سوق مسقوف موحّد.
وما يمنح الأسواق السورية استثنائيتها التاريخية هو الاستمرارية الحضارية غير المنقطعة: فهي ليست أسواقاً أُعيد بناؤها أو أُعيد تصميمها، بل نمت تراكمياً عبر ثلاثة آلاف سنة من التجارة المتواصلة على الطرق نفسها وفي المواقع نفسها.
شكّل سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 منعطفاً في مسار إعادة الإعمار، إذ عادت موجات واسعة من المهجّرين إلى مدنهم وبلداتهم حاملين معهم آمال الإحياء. وفي حلب، عاد سوق المدينة إلى الحياة في خريف 2024، وإن كان الترميم لا يزال جزئياً ومحدوداً في بعض القطاعات.
وتواصل مؤسسة الآغا خان للثقافة برامجها في حلب، مستفيدةً من مشاريع البنية التحتية التي أُنجزت عام 2025 كشبكة المياه والإضاءة في محيط القلعة والسوق. كما تُسهم اليونسكو والأمم المتحدة وهيئة الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-HABITAT) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في برامج إعادة تأهيل واسعة. أما أسواق دمشق التاريخية فقد نجت من الدمار المادي الكبير، غير أنها تعاني من التراجع الاقتصادي الحاد الناجم عن سنوات الحصار والعقوبات، وقد وصف تقرير لقناة الجزيرة عام 2023 الوضع بأنه »مرآة للأزمة السورية الشاملة".
وتبقى التحديات الحقيقية أمام الأسواق السورية في مرحلة ما بعد الحرب متعددة الأوجه: إعادة تأهيل المبنى المادي بالطرق الحرفية التقليدية دون الوقوع في فخ التجميل السياحي السطحي، واستعادة منظومة الأصناف الحرفية التي تفرّق شتاتها، وإحياء شبكة الطرق التجارية التي اضطرب نظامها بفعل العقوبات والحدود المغلقة، وإيجاد توازن بين متطلبات التراث والحياة الاقتصادية الحقيقية للسكان العائدين.