يُعدّ الشعر السوري من أعرق التقاليد الشعرية في تاريخ الإنسانية، إذ تمتد جذوره إلى آلاف السنين قبل الإسلام، عبر موروث شعري آرامي-سرياني ثريّ، وصولاً إلى عصر الجاهلية العربية وزمن الفتح الإسلامي، ثم عبر أزهى الحقب الأموية والعباسية والحمدانية، حتى يبلغ ذروته في القرن العشرين بأسماء أضاءت سماء الشعر العربي والعالمي. فقد أنجبت سوريا أو احتضنت في ربوعها أو استقطبت إلى مدنها عدداً من أعظم الشعراء الذين صنعوا تاريخ اللغة والروح، من الأخطل التغلبي شاعر البلاط الأموي في دمشق، إلى أبي تمام ابن جاسم في حوران، إلى المتنبي الذي نظم أعظم قصائده في أروقة حلب الحمدانية، وصولاً إلى نزار قباني ابن دمشق العتيقة الذي حوّل الحبّ إلى ثورة، وأدونيس الذي أعاد صياغة مفهوم الشعر العربي كلّه، ومحمد الماغوط الذي فكّ قيود الوزن ليحرّر الروح.
هذا المقال يتتبع مسيرة الشعر السوري منذ أقدم عصوره المكتوبة حتى اليوم، مسلطاً الضوء على الشعراء الكبار والمدارس الشعرية والحركات الأدبية، والدور الذي أدّاه الشعراء السوريون في تجديد الأدب العربي وتحديثه، فضلاً عن دور قصيدة المنفى والمقاومة في القرن الحادي والعشرين.
قبل أن تُعرف العربية لغةً للشعر في منطقة الشام، كانت السريانية الآرامية تُنتج أدباً روحياً وشعرياً من الطراز الأول. ولعلّ أبرز شاعر عرفه الأدب السرياني على الإطلاق هو أفرام السرياني (نحو 306 – 373 م)، الذي وُلد في نصيبين (نُصيبين) بالجزيرة السورية وعاش أواخر عمره في الرُّها (أُرفة/أورفا الحالية)، وهي مدن كانت جزءاً من العالم السوري الروماني.
كان أفرام الشاعر-اللاهوتي الأعظم في تقليد المسيحية الشرقية. تركَ وراءه كمّاً هائلاً من الأناشيد التعليمية التأملية (المادراشه)، وهي أشعار غنائية تعليمية زاخرة بالصور الشعرية المستمدة من التراث التوراتي والفلسفة اليونانية والرمزية الفارسية. يقدّر بعض الباحثين أنه نظم أكثر من أربعمئة مقطوعة مادراشية. بلغت ترانيمه في الليتورجيا السريانية شهرة استثنائية، وقد نُشرت له مختارات شعرية عديدة في العصر الحديث. وصفه العلماء بأنه «الأكثر تأثيراً في الشعر والتراث الكنسي السرياني»، وقد أثّرت صورُه وأساليبه في اللاهوت الشعري الأوروبي كذلك.
يأتي في المرتبة الثانية مباشرةً بعد أفرام يعقوب السروجي، المولود في قرية كُرتم قرب نهر الفرات في سوريا، والمتوفى أسقفاً لسروج عام 521 م. أُطلق عليه معاصروه لقب «ناي الروح القدس»، وقد خلّف ما يزيد على سبعمئة ميمر (مَيمرة) بالسريانية، لم يُحقَّق إلا نصفها تقريباً. كتب يعقوب مَيمرة مشهورة مديحاً لأفرام السرياني يُشيد فيها بمكانته الشعرية، واصفاً إياه بـ"إكليل الآراميين«. يُعدّ إنتاجه الشعري من أضخم ما تركته الثقافة السورية الآرامية للإنسانية.
قبل الإسلام بعقود، كان امرؤ القيس (نحو 501 – 544 م) آخر ملوك كِندة وأعظم شعراء الجاهلية يمرّ بسوريا في رحلته المصيرية إلى القسطنطينية. فقد قصد ملوك الغساسنة في الشام ليستعين بهم في استعادة ملكه، ثم مضى إلى الإمبراطور يوستنيان. ويُروى أنه مات في أنقرة وهو عائد إلى جزيرة العرب. وهكذا باتت أرض الشام جزءاً من سيرة أمير الشعر الجاهلي ومعلقته الكبرى التي وصف فيها الديار والأطلال بأسلوب رسم منهج القصيدة العربية الكلاسيكية إلى الأبد.
مع قيام الدولة الأموية وإطلاق دمشق عاصمةً للخلافة الإسلامية الكبرى، غدت المدينة مركزاً للحياة الشعرية العربية. وأبرز شعراء هذا البلاط الأموي كان الأخطل (غياث بن غوث التغلبي، نحو 640 – 710 م)، وهو مسيحي نسطوري من قبيلة بني تغلب المسيحية العربية. على الرغم من ديانته المسيحية، عيّنه الخليفة عبد الملك بن مروان شاعراً رسمياً للدولة الأموية، فمدح الخلفاء يزيد والوليد وعبد الملك وهجا أعداء الدولة بلسان حادّ لا هوادة فيه. اشتُهر بثلاثيةٍ شعرية مع جرير والفرزدق في ملاحم الهجاء والنقائض التي تُعدّ من أرقى ما وصل إلينا من فنون الجدل الشعري في اللغة العربية.
ولا يزال ديوان الأخطل، الذي جمعه قديماً أبو سعيد السكري وطُبع حديثاً في طبعات مختلفة، يُدرَّس في أقسام الأدب العربي كنموذج فريد للشاعر المسيحي في قلب الحضارة الإسلامية.
ضمن الثالوث الشعري الأموي، جاء جرير (نحو 650 – 728 م) والفرزدق (نحو 641 – 728 م) إلى دمشق يبحثان عن مكانة في بلاط الأمويين. وقد دارت بينهم وبين الأخطل حروب شعرية ضارية. والنقائض — قصائد الهجاء المتبادل — التي خاضها هؤلاء الثلاثة، أرست دعائم علم اللغة العربية الكلاسيكية، وكانت حلبة يُختبر فيها كل فن بلاغي ومنطقي وتاريخي.
وُلد أبو تمام (حبيب بن أوس الطائي) في قرية جاسم من أرياف حوران السورية، في أسرة مسيحية (أبوه صانع خمر اسمه ثاذوس). نشأ ثم ارتحل إلى مصر فعمل سقّاءً وجالس العلماء، ثم رحل إلى العراق فبلغ البلاط العباسي. لكن نسبه السوري الحوراني ظلّ جزءاً أصيلاً من هويته، حتى إن النقاد القدماء أرّخوا لمولده بجاسم.
اشتُهر أبو تمام بتشعير الصنعة البلاغية وتكثيف الصورة الشعرية إلى أقصى حدودها في مذهب أُطلق عليه لاحقاً اسم »البديع«. قصيدته المشهورة في فتح عمّورية عام 838 م، التي مطلعها:
»السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ … في حدِّه الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ«
تُعدّ واحدة من أشهر القصائد في تاريخ الأدب العربي. كما صنّف »ديوان الحماسة«، الأنثولوجيا الشعرية الكبرى التي جمع فيها أفضل ما وصله من الشعر العربي القديم، ولا تزال تُدرَّس حتى اليوم.
أمضى أبو الطيب المتنبي (915 – 965 م) أهمّ سنوات حياته الإبداعية (948 – 957 م) في بلاط سيف الدولة الحمداني أمير حلب، وهي فترة نظم فيها 22 قصيدة مديح كبرى تُعدّ من ذرى الشعر العربي على الإطلاق. في حلب التي كانت آنذاك مركزاً ثقافياً يجمع الفارابي وابن جني وابن خالويه وأبا فراس الحمداني، بلغ المتنبي أوْجَه وسمته الآفاقَ.
قصيدته في الحُمّى مطلعها:
»على قدرِ أهلِ العزمِ تأتي العزائمُ … وتأتي على قدرِ الكرامِ المكارمُ«
وقصيدته في وصف معركة الحدث:
»إنّ أعظمَ ما في الدهرِ من أملٍ … أن يُعظِّمَكَ الدهرُ الذي أنت منهُ«
أصبحت تعابيرُه أمثالاً عربيةً حيّة في كل بقعة من العالم العربي. وقد شكّل بلاط حلب الحمداني مُختبراً شعرياً استثنائياً جمع بين الفن والسياسة والفلسفة.
في البلاط الحمداني ذاته بحلب كان أبو فراس (الحارث بن سعيد الحمداني، 932 – 968 م)، ابن عم سيف الدولة والحاكم على مناطق في شمال سوريا. أسره البيزنطيون عام 959 م وأمضى سنوات في قسطنطينية، فكتب رومياته الشهيرة — وهي قصائد في الأسر والحنين والعزة — وصفها العلماء بأنها »أشد ما كُتب في الشعر العربي صدقاً وعفوية«. مقتل أبي فراس في ثورته عام 968 م جعل المؤرخ الأدبي ابن عباد يقول: »بدأ الشعر بملِك (امرئ القيس) وانتهى بملِك (أبي فراس)".
مع الانحسار العثماني وبداية حركة النهضة العربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، استيقظ الشعر السوري من سباته الطويل الذي هيمنت عليه قيود التكلّف والصنعة. كانت بيروت ودمشق وحلب مراكز هذه النهضة الثلاثية. أسهمت المطابع والمدارس والجرائد في إحياء اللغة العربية الفصحى وتحريرها من الركاكة والسجع المتكلَّف.
في مستهل القرن العشرين، أخذت المدارس الرومانسية تنتشر، وتأثّر الشعراء السوريون بالرومانسية الغربية وبالمهجريين العرب (جبران وأيليا أبو ماضي وغيرهم)، وبدأت قصيدة التفعيلة تشقّ طريقها تدريجياً، ليأتي الجيل الذي أسّس مجلة «شعر» في بيروت عام 1957 ويُحدث القطيعة الكبرى مع الشكل الكلاسيكي.
وُلد نزار توفيق قباني في 21 مارس 1923 في أحد بيوت دمشق القديمة ذات القناطر العثمانية والياسمين. كان أبوه توفيق قباني تاجراً دمشقياً من عائلة عريقة في تاريخ الشام، وكان عمّه أبو خليل القباني من أوائل رواد المسرح العربي. دفعته انتحار أخته وهي ترفض زواجاً مفروضاً عليها إلى الانحياز الأبدي للمرأة في شعره.
درس الحقوق في جامعة دمشق وتخرّج عام 1945، ثم انتسب إلى السلك الدبلوماسي السوري وعمل في مصر وتركيا ولبنان وبريطانيا والصين وإسبانيا. في 1966 استقال من الدبلوماسية وأسّس في بيروت دار نشر "منشورات نزار قباني«. توفي في لندن في 30 أبريل 1998.
صدر ديوانه الأول »قالت لي السمراء« عام 1944 وأثار جدلاً واسعاً بجرأته البكر. على مدى نصف قرن أصدر أكثر من 35 ديواناً تجمع بين الغزل الحسّي العذب والنقد السياسي الجارح. لعلّ أشهر تحوّلاته قصيدة »هوامش على دفتر النكسة« (1967) التي كانت ردّ فعل صاعقاً على هزيمة يونيو، يصف فيها الانهيار العربي بلغة تشبه الصفعة المباشرة. وسابقتها قصيدة »خبز وحشيش وقمر« التي طالبت بها السلطة السورية محاكمته لانتقاده الذرائعية والخمول.
من أشهر دواوينه: »أنثى«، »الرسم بالكلمات«، »قصائد من نزار قباني«، »هكذا أكتب تاريخ النساء«، »متى يُعلنون وفاة العرب؟«. وقصائده مثل »قارئة الفنجان« و»أحبك جداً« و»رسالة إلى أم كلثوم« باتت جزءاً من الوجدان العربي اليومي.
وُلد علي أحمد سعيد إسبر (أدونيس) عام 1930 في قرية قصابين من جبال اللاذقية السورية، لعائلة علوية فقيرة. حين بلغ الرابعة عشرة كتب قصيدة، وفي عام 1947 قرأها أمام الرئيس السوري شكري القوتلي الذي أهداه منحة دراسية. درس الفلسفة في دمشق، وانتسب إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، وسُجن عام 1955 بسبب نشاطه الحزبي. في السجن التقى بمحمد الماغوط في الزنزانة المجاورة وبدأت صداقة شعرية تاريخية.
فرّ إلى بيروت واستقرّ فيها، ثم حصل على الجنسية اللبنانية وكان يحمل وثيقة سفر لاجئ. أسّس مع يوسف الخال مجلة »شعر« عام 1957 في بيروت، وهي أكثر دورية شعرية تأثيراً في تاريخ الأدب العربي الحديث. ثم أسّس مجلة »مواقف« عام 1968 التي جمعت حوله المثقفين من مشرق الوطن العربي ومغربه.
أصدر في 1961 »أغاني مهيار الدمشقي«، العمل الذي غيّر وجه القصيدة العربية، والذي يُشبّهه النقاد الغربيون بمكانة »الأرض الخراب« لإليوت في الشعر الإنجليزي. وبين 1995 و2003 عمل على »الكتاب«، الملحمة الشعرية في ثلاثة مجلدات التي يجوب فيها تاريخ الحضارة العربية منذ وفاة النبي محمد مروراً بالقرن التاسع الميلادي.
تجاوز في نتاجه الفكري الشعرَ إلى النقد ومقاربة التراث؛ فكتاباه »الثابت والمتحوّل« (دراسة في الاتباع والإبداع عند العرب) و»الشعرية العربية« يُعدّان من أهم المراجع في علم الجمالية العربية. كتب بالفرنسية وتُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات. يُرشَّح للحصول على جائزة نوبل للآداب منذ عام 1988 دون أن ينالها. حصل في 2024 على جائزة جوان مارغاريت الدولية للشعر.
وُلد محمد الماغوط عام 1934 في مدينة السلمية بمحافظة حماة، لأسرة إسماعيلية فقيرة. لم يكمل تعليمه الرسمي. انتسب إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي فاعتُقل عام 1955، وفي السجن في الزنزانة المجاورة لأدونيس كتب أولى قصائده على أوراق السجائر كذكريات شخصية، فإذا بها ثورة شعرية.
فرّ إلى بيروت في أواخر الخمسينيات وانضمّ إلى مجموعة مجلة »شعر«. عام 1958 نُشرت له قصيدة »القتل« في المجلة التي اعتبرها النقاد البداية الفعلية لقصيدة النثر العربية الفطرية. أصدر ثلاثة دواوين شعرية أساسية: »الحزن في ضوء القمر« (1959)، »غرفة بملايين الجدران« (1964)، »الفرح ليس مهنتي« (1970). وديوانه الرابع والأكثر مبيعاً »سأخون وطني« يعكس يأسه العميق من المنظومات السياسية.
تميّز شعره بالسخرية السوداء والحزن الكونيّ والثورة على القمع، لكن بلغة يومية مباشرة لا تزخرف ولا تتصنّع. نقل انشغالاته الشعرية إلى الكتابة المسرحية والتلفزيونية فأبدع أعمالاً لا تُنسى مع دريد لحام كـ»غربة« و»الدنيا على كف عفريت«.
قال عنه الناقد خالد النجار: »محمد الماغوط ليس شاعراً يكتب قصيدة النثر؛ إنه كائن نثريّ لا يستطيع أن يكون إلا شعراً«.
وُلد ممدوح عدوان في 23 نوفمبر 1941 في قرية قيرون قرب مصياف بمحافظة حماة، وتوفي في دمشق في 19 ديسمبر 2004. درس الأدب الإنجليزي في جامعة دمشق، وعمل مدرّساً في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق.
أصدر ديوانه الأول »الظلّ الأخضر« عام 1967، ثم توالت مجموعاته الثماني عشرة. اشتُهر بصراحته في انتقاد الاستبداد والفساد، وبـ»قصيدة المواجهة« التي جعلت من التعبير الشعري فعل شهادة. كان كذلك مترجماً متميزاً نقل »الإلياذة« و»الأوديسة« و»تقرير إلى غريكو« وسيرة جورج أورويل إلى العربية. حصل عام 1997 على جائزة عرّار الأردنية للشعر.
وُلد سليمان العيسى عام 1921 في قرية النيرية قرب أنطاكية (التي باتت الآن في الأراضي التركية). نشأ في بيئة دينية وأتقن القرآن الكريم وحفظ المعلقات وشعر المتنبي في صغره. لجأت أسرته إلى سوريا عام 1939 بعد ضمّ لواء الإسكندرون إلى تركيا. درّس الأدب العربي، وعمل مشرفاً في وزارة التربية السورية، وكان عضواً مؤسّساً لاتحاد الكتّاب العرب عام 1969.
خصّص جزءاً كبيراً من مسيرته الشعرية الممتدة لأدب الأطفال، وهو مجال قلّ من اهتمّ به بين كبار الشعراء. ديوانه »ديوان الأطفال« أحد المراجع الأساسية في شعر الطفولة بالعربية. نال جائزة اتحاد أدباء آسيا وأفريقيا للشعر (لوتوس) عام 1982، وجائزة جامعة الدول العربية لأدب الأطفال عام 1984، وانتُخب عضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1990.
من أشد الحالات مأساويةً في تاريخ الشعر السوري شخصية رياض الصالح الحسين (1954 – 1982)، الذي وُلد في محافظة حلب وأصيب بالصمم في الثالثة عشرة من عمره إثر خطأ طبي. على الرغم من صممه وفقره الشديد ومرضه (قصور كلوي وسكري)، أصدر أربعة دواوين في حياته القصيرة: »إخفاق الدورة الدموية« (1979)، »أساطير يومية« (1980)، »بسيط كالماء واضح كالرصاصة« (1982)، و»ثور في الغابة« (1983، بعد وفاته). توفي في 20 نوفمبر 1982 وعمره ثمانية وعشرون عاماً فقط.
يُعدّ رياض الصالح الحسين أحد أبرز رواد قصيدة النثر العربية، وتتسم قصائده بالبساطة اللافتة والصورة الحادة المصفّاة من كل زخرف. يصفه المترجمون والنقاد بأنه »بسيط كالماء، واضح كالرصاصة«.
وُلدت مرام المصري في الثاني من أغسطس 1962 في مدينة اللاذقية لعائلة سنية عريقة، ودرست الأدب الإنجليزي في دمشق. في 1982 هاجرت إلى فرنسا، حيث تزوجت ثم انفصلت، وخاضت صراعاً قضائياً مضنياً لاسترداد ابنها الذي أخذه والده إلى سوريا لمدة ثلاث عشرة سنة.
صدر ديوانها الأول »أنذرتك بحمامة بيضاء« عام 1984، لكن شهرتها الحقيقية بدأت مع »كرز أحمر على بلاط أبيض« (1997) الذي رفض نشره الناشرون السوريون لجرأته، فنشرته وزارة الثقافة التونسية. أما مجموعتها »إنها تمشي عارية الحرية« (2014) — Elle va nue la liberté — فكانت وثيقة شعرية ضد نظام الأسد تأسّست على صور وسائل التواصل الاجتماعي من الثورة السورية. اعتُبرت »من أبرز الأصوات النسائية في جيلها في الشعر العربي«.
في شتاء 1957 أصدر الشاعر اللبناني يوسف الخال العدد الأول من مجلة »شعر« في بيروت. لكن الوجود السوري كان محورياً فيها: فأدونيس (علي أحمد سعيد) كان المحرك الفكري الرئيسي، ومحمد الماغوط نشر فيها أولى قصائده النثرية المؤسّسة، وسليمان العيسى كان من رواد حركتها. الأعداد العشرة سنوات من عمر المجلة كانت كافية لإحداث انقلاب جمالي في الشعر العربي. نشرت المجلة أول ترجمة عربية لـT.S. إليوت وسان جون بيرس وباوند، وأرست مبدأ أن الشعر الحديث لا يحتاج إلى وزن عَروضي ولا قافية متعاقبة.
أسّس أدونيس مجلة »مواقف« عام 1968 في بيروت، وجعلها منبراً للشعر التجريبي والنقد الثقافي الجذري. جمع حوله أصواتاً من المشرق والمغرب والخليج. كانت المجلة مختبراً مفتوحاً لإعادة قراءة التراث العربي قراءةً نقدية تحريرية، وللانفتاح على الفكر الغربي الحديث دون ذوبان فيه.
أحدثت ثورة 2011 وما أعقبها من حرب هجرةً جماعية ضخمة للمثقفين السوريين. غير أن الشعر لم يموت؛ بل وُلد من رماد المأساة بأصوات جديدة حادة وصادقة.
وُلد نوري الجراح عام 1956 في دمشق ويعتبر نفسه في المنفى منذ أوائل الثمانينيات. غادر إلى بيروت عام 1981 ثم إلى قبرص ثم إلى لندن عام 1986. كان يعمل صحفياً لعدد من الصحف العربية الكبرى. صدرت له ستة عشر مجموعة شعرية من بينها »الغلام« (1982)، »مدائح لصوت« (1990)، »حدائق هاملت« (2003)، »يأس نوح« (2014). وفي 2023 نشر ملحمته »الحية الحجرية«.
اشتُهر عالمياً بقصيدته الملحمية »قارب إلى لسبوس« التي تُوثّق أزمة اللاجئين السوريين عبر البحر المتوسط، وقد نالت ترجمتها الإنجليزية ثناءً واسعاً. تُرجمت أعماله إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإيطالية واليونانية.
وُلد غياث المدهون في 19 يوليو 1979 في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين في دمشق، لأب فلسطيني وأم سورية. درس الأدب العربي في دمشق. في 2008 استغلّ دعوة إلى مهرجان أدبي في ستوكهولم فتقدّم بطلب لجوء وحصل على الجنسية السويدية. يقيم بين برلين وستوكهولم.
أصدر خمسة دواوين ترجمت أعماله إلى ثلاثين لغة ونُشرت كتبٌ له في ثلاثة عشر بلداً. في ديسمبر 2024 عاد إلى سوريا لأول مرة بعد ستة عشر عاماً. وقد حرّر أنثولوجيا مهمة »انجراف القارة — أوروبا العربية« (2023) تضمّ أصوات 31 شاعراً عربياً في المهجر الأوروبي.
ولّدت أحداث 2011 السورية موجة من الشعر الميداني: قصائد كُتبت وأُنشدت في ساحات الاعتصام، ونُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي حين أُغلقت الصحف. غلبت على هذا الشعر الصورة الحيّة والمباشرة، وظهرت هويّة سورية جامعة غير طائفية تحلّ محلّ الرموز الدينية في الخطاب الشعري السابق. وصف الناقد غولان حاجي هذه الموجة بأنها »الشعر السوري الجديد المولود من رحم الثورة".
تتسم المدرسة الشعرية السورية في جوهرها بعدة خصائص لافتة: